فهرس الكتاب

الصفحة 26195 من 27364

وقد أحسن الإمام ابن القيم حين قال: [ لمَّا كثر المدعون للمحبة طولبوا بإقامة البينة على صحَّة الدعوى ، فلو يعطى الناس بدعواهم لادَّعى الخليُّ حرقة الشجي ، فتنوع المدَّعون في الشهود ، فقيل: لا تقبل هذه الدعوى إلا ببينة [ قل إن كنتم تحبُّون الله فاتبعوني يحببكم الله ] آل عمران [31] فتأخر الخلق كلُّهم ، وثبت أتباع الحبيب في أفعاله وأخلاقه، فطولبوا بعدالة البيِّنة بتزكية [ يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم] المائدة [54] ] ا.هـ مدارج السالكين [3/9] ط/ الفقي .

وإذا تولينا عن نصرة ركائب الإيمان وفرسان التجديد وعلماء الشريعة الربَّانيين، فإنَّ الله سيستبدل بنا أمة غيرنا تكون هي المهيأة لذلك النصر ، وتذوق طعم العزة ومجد الفتوحات [وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثمَّ لا يكونوا أمثالكم] محمد [38]

إنَّه ـ سبحانه ـ يوضحها ـ حقيقة ناصعة حيث يقول: [يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم] ثمَّ ذكر أوصافهم: [ يحبهم ويحبونه ] [أذلة على المؤمنين] [أعزة على الكافرين] [يجاهدون في سبيل الله ] [ ولا يخافون لومة لائم ] ثمَّ بين ـ عزَّ وجل ـ أن: [ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم] المائدة [54] .

لئن لم يكن في الأرض أوس وخزرج * فلله أوس قادمون وخزرج !

بيد أنَّ علينا ألاَّ نمنِّي أنفسنا بالنصر والتغني بأمجاده قبل أن يأتينا ، وأن ننطلق في هذا الوجود بكل همَّة عليَّة ، وعزمة عمرية ؛ لنشر دين الله والتصدي للمردة المحتلين ، وليكون عملنا أكثر من كلامنا وشكوانا ، فإنَّنا في هذه الأيام نتوق إلى ألسن بكم وأيد وضاح ، ونحن في وقت معامع وصولات ، وقعقعات وجولات ، ولسنا في وقت الآهات والحسرات ، فلنخرج من عزلتنا وانكفائنا على أنفسنا إلى مواطن العز والإباء ، ومصانع الرجال، وميادين العمل ؛ فالعزلة في وقتنا هذا ما هي إلا عمل البطالين أو الجبناء ، وقد قيل: إيقاد شمعة خير من لعن الظلام.

وقد روى التابعي الفقيه (عامر بن شراحيل الشعبي) أن رجالاً خرجوا من الكوفة ونزلوا قريباً يتعبدون ، فبلغ ذلك الصحابي الجليل عبد الله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ ، فأتاهم ففرحوا بمجيئه إليهم ، فقال لهم: ( ما حملكم على ما صنعتم ؟ قالوا: أحببنا أن نخرج من غمار الناس نتعبد ، فقال عبد الله ـ رضي الله عنه ـ: لو أنَّ الناس فعلوا مثل ما فعلتم فمن كان سيقاتل العدو؟ وما أنا ببارح حتى ترجعوا) الزهد لابن المبارك/ صـ390.

فرضي الله عن الصحابي الجليل ابن مسعود ، ما أدقَّ فكره !

ولهذا أقول: لو أنَّ الناس انكفؤوا على عزلتهم أو مشاريعهم الخاصة من زواج ووظيفة وعبادة، فمن سيدعو لدين ربِّ العالمين ، وينشر العلم بين الخافقين؟ ومن يقاتل العدو وينازل الطغاة المعتدين ؟ وخاصة أنَّ عندهم الشيء الكبير من المخططات الخبيثة؛ للاستيلاء على أكبر قدر ممكن على المنطقة الإسلامية ؛ فإن علموا منَّا ضعفاً وتقوقعاً على أنفسنا فإَّن العدو لن يرحمنا ! بل سيلتهمنا لقمة سائغة، ولات حين مندم !

فمزيداً من التفكير الجاد العملي العميق، وإجالة النظر في كتب التاريخ ، والاستفادة من تجارب الماضين واللاحقين، وقد قيل: رحلة العظيم تبدأ بفكرة . ونحن في وقت صعب ومنحنى خطير ، وأمة الإسلام تلتهب حريقاً، وتضطرم ناراً ؛ فإن كنا من أبنائها الصادقين فلنبذل لها الكثير، ولنجاهد بأيدينا وأموالنا وألسنتنا وتفكيرنا ، وبكل شيء نقدر عليه ، فإنَّ:

ذروة الدين جهاد في الصميم * فلنجاهد أو لتلفظنا الحياه

ورحم الله ابن القيم حين كتب: ( وجزى الله من أعان على الإسلام ولو بشطر كلمة خيراً) أعلام الموقعين [4/216ـ217] .

فأدرك يا بن الإسلام أمتك ، وأسرج حصانك ، وشد السير، وصح في الآفاق صيحة ذلك الداعية العراقي: (إنَّ العالم الإسلامي يحترق ؛ فمن استطاع أن يطفئ الحريق ولو بدَلوٍ من الماء ؛ فليفعل] فيا أهل الإسلام: لبُّوا لبيك اللهم لبيك !

وأخيراً:

[ يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون* وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إنَّ الله مع الصابرين] الأنفال [46] .

وصلى الله وسلم على نبينا محمد ، وعلى آله وصحبه أجمعين

والحمد لله رب العالمين.

[1] تمعدد فلان: انتسب إلى معدٍّ ، وتمعدد القوم: تصلَّبوا وتشبَّهوا بمعدٍّ وكانوا أهل قشف وغلظ في المعاش . المعجم الوسيط: 877: مادة: مَعَدَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت