فهرس الكتاب
أين مالها الذي أنفقته في البذخ والإسراف واللهو والغناء ؟ ..
أين جمالها الذي كانت تفخر به ؟
أين وأين وأين .. لقد انتهى كلُ ذلك ولم يبق إلا العمل ..
يا من بدنياه اشتغل قد غره طول الأمل
الموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل .
قال رسول ا صلى الله عليه وسلم"إن الله تعالى ليملي للظالم ، حتى إذا أخذه لم يفلته"متفق عليه .
داعية بعد الموت (9)
في جمهورية رواندا الأفريقية شاء الله أن يولد مسلم جديد ... كان حياً قبل ذلك ، ولكن بجسده فقط لأنه كان نصرانياً ...أما روحه فلم تعرف إلا بعد أن أعلن إسلامه وذاق طعم الإيمان . .
ويعلم أهله بالخبر فيثورون عليه ، ويُقيمون الدنيا ولا يقعدونها ، ولا عجب ، فقلوبهم قد امتلأت بالحقد الصليبي وهو يسمعون يومياً في المدرسة ، وفي الكنيسة ، أن العربي ( المسلم ) مرادف للشيطان ، مع أنهم نادراً ما يرون مسلماً !.
في المدرسة وهم صغار تتلقفتهم الكنيسة البلجيكية ، وتلقنهم أن العرب قوم متوحشون ... يُحرقون القرى ويقتلون الأبرياء ، ويسرقون النساء ، ويتركون وراءهم الأرض خراباً يباباً !! هذه المعاني كلها تؤكدها الكنيسة في كل مناسبة ... ويصل الخبر إلى شقيق هذا المسلم الجديد ، فيستشيط غضباً ، وينفجر وهو يرى أخاه يصلي واضعاً جبهته في الأرض لله رب العالمين ، وتؤتي تلك التعاليم الفاسدة ثمارها الخبيثة في صورة ثورة عارمة ، تنتهي بقتل النصراني الحاقد لأخيه المسلم وهو ساجد .
ولكن هل انتهت القصة ؟ كلا ... لقد قبض رجال الشرطة على القاتل ، بينما بقيت جثة المسلم ثلاثة أيام في تلك الأجواء الحارة لم تتغير لتكون دليلاً ملموساً وشاهداً صامتاً على عظمة هذا الدين وطهارته ، وأنه هو الدين الحق ... ويأتي عشرات النصارى ليروا جنازة المسلم التي تنظر الإذن بالدفن من طبيب الشرطة ... ويعلن العشرات منهم إسلامهم بسبب هذا المشهد ، ويستحق هذا المسلم الجديد لقب: داعية بعد الموت .
إن ربك لبالمرصاد (10)
بعد أن أتم خالد دراسته الثانوية كان يحلم بما يحلم به غيره من الشباب المراهق من السفر إلى الخارج والدراسة في ديار الغرب بعيداً عن رقابة الأهل والمجتمع (! ) ، وقد شجعه والده على ذلك (!) وهيأ له كل ما يحتاجه من مستلزمات ....
وحان موعد السفر ن فودعته أمه وقبلها يتوجس خيفة ويتفطر ألماً ، وحذرته من هفوات الشباب ،ومهاوي الردى ...
بات خالد يعد الدقائق والساعات شوقاً لتلك البلاد التي سمع عنها الكثير ولما يرها ، وما إن وطئتها قدماه حتى نسي وصية أمه المشفقة ، ونسي نفسه ، بل نسي ربه الذي يراقبه في كل مكان ، وانهمك في فعل المعاصي والآثام ، حتى كاد أن ينسى دراسته التي سافر من أجلها ...
وبعد سنوات أمضاها في ديار الغرب ما بين لهو ولعب ومجون ، وقليل من الدراسة ، عاد .. ولكن بعقل ممسوخ وقلب مظلم قد عصفت فيه رياح الأهواء والشهوات ، وفتكت به أمراض الشكوك والشبهات ، ولقد كان قلبه خالياً قبل ذلك ، فتمكن منه الداء:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكنا
كانت أمه طوال تلك السنين كالثكلى تنتظر قدومه بفارغ الصبر ، وتعدّ الدقائق والساعات شوقاً إلى لقائه ، وتذرف الدموع في كل وقت خوفاً عليه ، أما هو فلم تخطر له أمه على بال ، ولا فكر بالسؤال عنها مجر سؤال ... إلا في فترات متباعدة .
وأزف موعد قدومه فخرجت أمه إلى المطار بصحبة أخته لاستقباله ، وقلبها يكاد يطير من شدة الفرح ...
وفي صالة الانتظار ، وقفت تترقب قدومه ، وتفحص وجوه القادمين بحثاً عن ولدها الحبيب ..
ها هو خالدٌ قد أقبل ..
"أهذا هو خالدٌ ؟!"همست الأم في أذن ابنتها والدهشة تكاد تعقد لسانها.
كان يلبس نظارة سوداء وقد نفش شعره وأعفى لحيته على الطريقة الغربية ... فلما اقترب منها عرفته بملامحه التي لا تخفى ...
نادته خالد ... خالد ...
التفت إليها ... مدت الأم يدها إليه لتصافحه ، قالت أنا أمك يا خالد ، وهذه أختك . كانت تنتظر منه أن يضمّها ، أن يقبل رأسها ، أن يبكي فرحاً بلقائها ، لكنه لم يفعل شيئاً من ذلك ، بل مد يده ببرود شديد ، وقال متهكماً: أما زلتين تغطين وجوهكن وتلبسن هذه الملابس السوداء ؟!
ذُهلت الأم لمقالة ابنها ، وتحولت دموع الفرح التي ذرفتها احتفالاً بقدومه ، إلى دموع حزن وأسى أسفاً على حاله ، لكنها أخفت عبرتها خلف حجابها المصون وكتمت أنفاسها الحرّى ... وهي تردد: إنا لله وإنا إليه راجعون ..
ومضت الأيام ، وخالد سار في غيه وضلاله ، ينتهز كل فرصة ليسافر على تلك الديار ثم يعود وقد ازداد تعلقاً بها ، ومقتاً لدينه وأهله .
أما أمه فلم تعد تقيم له وزناً ، أو تلقى له بالاً ، فقد سقط من عينها ، وأبغضته في الله ، وهذا هو مقتضى لا إله إلا الله: ( لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم .. ) الآية [ المجادلة: الآية: 22]
وصارت تدعو له بالصلاح والهداية ، وربما دعت بالهلاك إن لم يهده الله ..
وجاءت ساعة الصفر ..