وفي العام الأخير من حياته أصر على تأدية مناسك الحج على الرغم من كبر سنه ورقة عظمه ، وبدأ يجهز نفسه للرحلة على غير عادته في السنوات الماضية ، وكان يردد بين الحين والآخر:"اللهم أحسن خاتمتي ووقفني لأداء مناسك الحج مع إخواني المسلمين".
واقترب موسم الحج ، وودع الشيخ عائلته وداعاً لم يعهدوه منه قبل ذلك ، وطلب منهم الدعاء له بحسن الخاتمة ، وقال:"قد لا أراكم مرة أخرى"، وكرر هذا القول مراراً ..
وفي صعيد عرفات ، جلس الشيخ على كرسيه مستقبلاً القبلة ، ورافعاً يديه إلى السماء داعياً الله عز وجل بحسن الخاتمة ، والنصر للمسلمين ، وتوحيد شملهم . .
يقول ابنه الذي كان يرافقه ، لقد كان والدي جالساً على كرسيه أثناء الدعاء ، وفي الساعة السادسة وعشرين دقيقة عصراً ، وقبل أن ينفر الحجيج إلى مزدلفة ، اقتربت منه لكي آخذه إلى الحافلة المعدة لنقلنا إلى مزدلفة ، فإذا به قد فارق الحياة على تلك الحال ، في صعيد عرفات الطيب ، فقد استجاب الله دعاءه ، وختم له بخاتمة السعادة إن شاء الله تعالى .. فهنيئاً له هذه الخاتمة الطيبة .
( فصل ) في أسباب سوء الخاتمة ( أعاذنا اللهُ منها )
اعلم أيها الموفق - إن شاء الله - أن سوء الخاتمة لا يكون لمن صلح ظاهره وباطنه مع الله ، وصدق في أقواله وأفعاله ؛ فإن هذا لم يُسمع به ، وإنما يقع سوء الخاتمة لمن فسد باطنه اعتقاداً ، وظاهره عملاً ، ولمن له جرأة على الكبائر ، وإقدام على الجرائم ، فربما غلب ذلك عليه حتى ينزل به الموت قبل التوبة النصوح .
ثم اعلم أن لسوء الخاتمة أسباباً كثيرة من أهمها ما يلي:
أولاً: الشرك بالله عز وجل .. وحقيقته تعلق القلب بغير الله حباً وخوفاً ورجاءً ودعاءً وتوكلاً وإنابةً ... الخ .
ثانياً: الابتداع في الدين ... وهو اختراع ما لم يأذن به الله ولا رسول صلى الله عليه وسلم فأهل البدع لا يوفقون لحسن الخاتمة ، لا سيما من قامت عليه الحجة فأصر على بدعته ، نعوذ بالله من الخذلان .
ثالثاً: الإصرار على المعاصي تهاوناً بها واستصغاراً لشأنها لا سيما الكبائر فإنها تخذل صاحبها عند الموت مع خذلان الشيطان له فيجتمع عليه مع ضعف الإيمان فيقع في سوء الخاتمة .
رابعاً الاستهزاء بالدين وأهله من العلماء والدعاة والصالحين ، وبسط الأيدي والألسن إليهم بالسوء والأذى .
خامساً: الغفلة عن الله والأمن من مكره . قال تعالى"( فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون" [ الأعراف: 99] .
سادساً: الظلم .. فالظلم مرتعه وخيم ، والظلمة من أولى الناس بسوء الخاتمة عياذاً بالله . قال تعالى: ( إن الله لا يهدي القوم الظالمين ) [ الأنعام: 144] .
سابعاً: مصاحبة الأشرار ، قال تعالى ( يوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلاً * يا ويلتى ليتني لم اتخذ فلاناً خليلاً * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني ) [ الفرقان: 27- 29 ] .
ثامناً: العُجب .. وحقيقته إعجاب العامل بعمله مع احتقار أعمال الآخرين والتعالي عليهم ، وهو داء يخاف منه على الصالحين ، وبه تحبط الأعمال وتقع سوء الخاتمة .
هذه بعض الأسباب الموقعة في سوء الخاتمة ، وهي أصول الشر ومنابته ، فينبغي لكل عاقل موفق أن يحذرها ويتجنبها حذراً من سوء الخاتمة .
( فصل )
في علامات حسن الخاتمة
علامات حسن الخاتمة كثيرة ، أذكر منها:
1.النطق بكلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) عند الموت .قا صلى الله عليه وسلم:"من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة" (42)
2.الموت ليلة الجمعة ، أو نهارها ، قا صلى الله عليه وسلم:"ما من مسلم يموت يوم الجمعة ، أو ليلة الجمعة ، إلا وقاه الله تعالى فتنة القبرة" (43) .
3.الموت بعرق الجبين ، قا صلى الله عليه وسلم:"المؤمن يموت بعرق الجبين" (44)
4.الموت بمرض من الأمراض الوبائية مع الصبر والاحتساب ، كالطاعون والسل وذات الجنب ونحو ذلك .
5.موت المرأة في نفاسها سبب ولدها ، قا صلى الله عليه وسلم:"والمرأة يقتلها ولدها جمعاء شهادة يجرها ولدها بسرره إلى الجنة" (45) .
6.الرائحة الطيبة الزكية ، وهي رائحة تنبعث من جسد الميت بعد موته يجدها من حوله ، وهي كثيراً ما تنبعث من أجساد الشهداء ، لا سيما شهداء المعارك .
7.الثناء الحسن بعد الموت ، وقد مر صلى الله عليه وسلم بجنازة ، فأثنوا عليها خيراً ، فقال رسولُ ا صلى الله عليه وسلم:"وجبت" ( أي الجنة ) ، ثم قال:"أنتم شهداء الله في الأرض" (46)
8.رؤية ما يسر النفس عند خروج الروح ، كمن يرى طيوراً بيضاء جميلة وبساتين خضراء ومناظر خلابة لا يراها من حوله ، وقد حصل هذا لبعض الصالحين فكانوا يصفون ما يرونه لحظة احتضارهم وهم في سعادة غامرة ، والذين من حولهم في غاية الدهشة والذهول