ثم إن فكرة تجميع أكبر قدر ممكن مع التنازل عن بعض الضروريات تحتاج إلى مراجعة على ضوء قوله تعالى"لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا".
ـــ كان جمال الدين الأفغاني عجولا يريد أن ينقلب على أبناء جيله في يوم وليلة ، وأن يعتنق الناس أفكاره بخطبة أو خطبتين ، فجلس إليه تلميذه المخلص محمد عبده ـــ وكلاهما إلي بغيض ــــ وقال له: عَلِّم عشرة وكل واحد من هؤلاء العشرة يعلم عشرة فيكون عندك في ثلاثين أو أربعين عاما مائة من القيادات التي تستطيع الأخذ بزمام الأمة حيث تريد [6] . وهو ما كان ، فإن رحت تعدد من اشتركوا في تغريب الأمة والسير بها على درب الكافرين وهي تحسب أنها مهتدية وجدتهم قلة . وهو ما أنادي به اليوم .
ثم إن الاهتمام بخاصة الطلبة له بُعد آخر ، وهو حفظ التراث العلمي للشيخ ، فما ضيع الليث بن سعد إلا إهمال طلبته ، ولم يترك أبو حنيفة كتبا وإنما ترك أبرارا عرفوا فضل أستاذهم فدونوا ودرَّسوا .
فمن أراد أن تكون له صدقة جارية ، وأن يترك أثرا فليجب طلبي .
ثم إنه لا بد من الأخذ بيد الأمة ــ أعني عامة الناس ــــ وإشراكهم في الحلول .
أي يكون الخطاب ذو شقين شق تربوي للخاصة ، وآخر يخاطب به العامة .ولعل النقاط التالية تزيد الأمر بيانا .
ــــ زمام الأمة ليس بيد علمائها . وهناك من تنصت إليه الجماهير من غير العلماء ، بل إن الجماهير تشارك في صناعة القرار ،وما أراه هو أن نتوجه بخطاب إلى عامة الناس يبين حق العلماء في قيادة الأمة أو بكلمات أوضح: لَمِّ العامة على الأئمة الربانيين . وإسناد الأمر إلى أهله .
ــ (الكثرة الغالبة من المجادلين لا تجادل بحثاً عن الحقيقة . ولا رغبةً في المعرفة ، وإنما فقط لإثارة الشبهات ومحاولة الفتنة . والرد الحقيقي عليهم ليس هو الدخول معهم في معركة جدلية ولو أفحمهم الرد في لحظتهم !
إنما الرد الحقيقي يكون بإخراج نماذج من المسلمين تربت على حقيقة الإسلام فأصبحت نموذجاً تطبيقياً واقعياً لهذه الحقيقة ، يراه الناس فيحبونه ويسعون إلى الإكثار منه وتوسيع رقعته في واقع الحياة . هذا هو الذي ( ينفع الناس فيمكث في الأرض ) [7] أطالب بالاستقلال في الخطاب وعدم السير وراء ردود الأفعال . . . . عدم الانشغال بالآخر كثيرا ، وإنما خط طريق جديد في الطرح ، ويكون بيان فساد آراء المخالف ضمن بيان الحق .
محمد جلال القصاص
صباح الاثنين 15 /04 /1426
الموافق 23 /05 /2005
[1] هكذا أرى أن العولمة بأبعادها الثلاث ــــ الفكرية والعسكرية والاقتصادية ــــ هي المسمى الحقيقي للحملة الصليبية ،وقد شرحت هذا في تقريري عن المقاومة الإسلامية في العراق المنشور في موقع المسلم بعنوان"المقاومة الإسلامية في العراق من يحصد ثمارها ؟"
[2] محمد أبو رمان ــ من مقال ( محمد عبده وعوده لمشروع الإصلاح الديني ) . موقع الإسلام اليوم . قلتُ: الهوى هو السبب في الانحراف عن الجادة بإفراط أو تفريط , و النصوص بريئة من ذلك . و يقيني بأن الانهزامية والانبهار بالآخر وثقل الواقع في حس الليبراليين ــ كل الليبراليين إسلاميين وعلمانيين ـــ هما اللذان أوجد الرغبة عند هؤلاء في تحسين الصورة أمام الغرب الكافر ، والتشبه به واقتفاء أثره عند بعضهم . وهما ــ الانهزامية والهوى ــ السبب في إلقاء هؤلاء تبعية التخلف الذي وصلت إليه الأمة في عصورها الأخيرة على الشريعة الإسلامية لا على الإنسان المعاصر الذي أقعده الإرجاء عن حمل الرسالة الصحيحة كما حملها الجيل الأول رضوان الله عليهم . وهذا أمر بين الفساد ، إذ أن الفكرة هي التي تصوغ الواقع ، لا أن الواقع هو الذي يصوغ الفكرة . وهذا أمر بديهي لو تدبروا ولكنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور . ثم الجهل المطبق هو الذي جعل هؤلاء يتناسون أن الرسالة التي نحملها هي تعبيد الناس لله وليس النهوض بمستوياتهم المعيشية . وإن كانت الثانية ــــ النهوض المادي ــ إحدى نتائج الاستقامة على شرع الله .
[3] ومن يتدبر يعرف أن الأحكام الشرعية سابقة على المقاصد . فمن الأحكام تستنبط المقاصد . لا العكس كما يريدون اليوم . راجع إن شئت مقال ( المقاصديون الجدد ) لسعد مقيل العنزي . المحايد العدد: 132
[4] قرات في موقع المفكرة ــ وهي أقرب المواقع لهم ـــ أن هناك 23 مجموعة ضمن المقامة . وكذا الحال في فلسطين .
[5] هو الشيخ الدكتور سفر الحوالي في"مقدمة في التطور الفكري والحداثة"
[6] أكتب من حفظي والمقصود هو المعنى .
[7] . محمد قطب مقدمة شبهات حول الإسلام بتصرف يسير
هكذا طلبوا .. وهكذا كان جوابنا !!
الأميرة فهده آل سعود