فهرس الكتاب

الصفحة 26422 من 27364

وفسدت الأخلاق .. لا في مجال الجنس وحده كما يتبادر إلى الأذهان حين تذكر الأخلاق .. ولكن في مجال القيم والمعايير ، فصارت القيم المادية هي المسيطرة على وجدان الناس ، وصار النفاق والوصولية عملة معتمدة في المجتمع ، وصارت أمور الناس تقضى بالرشوة ، ولا تقضى إلا بالرشوة .. وصارت الخيانة هي الأصل ، والأمانة الاستثناء !

وأخيرا جاء العسكر ليحرقوا ما بقي في نفوس الناس من خير من أي نوع .. ويبذروا الشر بذرا في الأرض كالشياطين ..

وفوق ذلك كله ضاعت فلسطين ..

يحسب بعض الناس أن الصحوة لم تكن إلا رد فعل لهذا الفشل في جميع الميادين

فشل النظم المستوردة و"الزعماء"المزيفين الذين صُنعوا على عين الغرب ، ونُصِّبوا ليقوموا بالإفساد في بلاد الإسلام .

ولا ينكر أحد أن هذا الفشل كان من المحفزات للصحوة ..

ولكن الناس ينسون أن الجذور الحقيقية للصحوة كانت سابقة على استيراد النظم وفشل الزعماء .. فقد كانت الحركة التي قام بها الشيخ محمد بن عبد الوهاب لتصحيح العقيدة هي الباعث الحقيقي ليقظة العالم الإسلامي ، على الرغم من كل الجهود التي بذلت لمحاولة كبتها والقضاء عليها .

ولقد بدا - لفترة من الوقت - أن الدعوة قد حُصِرَتْ وسُدَّت عليها المنافذ فلم تعد قادرة على الامتداد .. ولكنها لم تكن دعوة ذاتية للشيخ محمد بن عبد الوهاب في داخل الجزيرة العربية حتى يسدوا المنافذ عليها ويكتموها .. إنما هي هي الدعوة التي قال الله عنها: ( أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ..) (96) .

دعوة تمتد بما أودع الله فيها من الحق ، وما أودع فيها من القوة ، وما أودع فيها من البيان ، يحملها قلبٌ مؤمن فتشتعل في قلبه ، فتمد إشعاعها في الآفاق ..

وحين يحاربونها فقد تسكن حركتها إلى حين .. ولكنها تعود فتؤتي أكلها بأمر الواحد القهار ..

جاءت الصحوة المباركة وهدفها أن تخرج الناس من التيه الذي غرقوا فيه ، وتردهم إلى الطريق الذي تاهوا عنه في وهلة الانبهار .

بل جاءت لتنفض ما كان قد تراكم من الغبش على طريق الدعوة قبل الهزيمة وقبل الانبهار .

جاءت لترد الدين صافياً كما نزل أول مرة ، بالرجوع إلى منابعه الصافية: كتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم ، وسيرة السلف الصالح .

جاءت لترد الدين واقعا معيشيا ، لا مجرد وجدانات في داخل القلب ، ولا مجرد كلمات تنطق باللسان ..

جاءت لتربي جيلا جديدا على مقتضيات لا إله إلا الله ..

مهمة صعبة ، ومشوار طويل .. فثمت في الطريق عقبات وعقبات ..

إن العقبات القائمة في وجه الصحوة ليست هي الحرب الخارجية وحدها كما يرى كثير من الناس ..

حقيقة إنها حرب شرسة . فقد تجمع العالم كله اليوم لحرب الإسلام: الصليبية العالمية كلها ، والصهيونية العالمية كلها ، والشرك العالمي كله ، فضلا عن عملاء الصليبية الصهيونية في داخل البلاد ، الذين يحاربون الدعوة بالحديد والنار .. بالسجن والتعذيب .. بالتشويش الإعلامي .. بكل وسائل الكيد التي تخطر على البال .

ولكن هناك عقبات أخرى لا تقل تعويقا للصحوة .. بل قد تكون أشد تعويقاً لها من تلك الحرب .

هناك الركام الذي كان قد تراكم في طريق الدعوة قبل الغزو الصليبي الصهيوني ، من انحراف في العقيدة ، وانحراف في التصورات ، وانحراف في السلوك ، جعل الإسلام غريبا في أرضه ، كما أخبر الرسو صلى الله عليه وسلم:"بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ" (97) .

وهناك ركام الغزو الفكري الذي ضلل الناس في مرحلة التيه ، وتوغل في جميع الاتجاهات .

وهناك ثقل"الأمر الواقع"في حس كثير من الناس ، وتصورهم أنه غير قابل للتغيير.

وهناك عدم الإدراك الكامل من جانب الصحوة لمهمتها على وجه التحديد ، ولترتيب الأولويات في مشوارها الطويل ..

وذلك فضلا عن تشرذم الجماعات القائمة بالدعوة ، وتفرقها وتخاصمها ، وغياب القيادة الكبيرة التي تجمّع الشمل وتقود المسيرة .

ولكن الصحوة - على الرغم من ذلك كله - قد قامت بجهد كبير ..

لقد وعي شباب الصحوة الخطوط العريضة على الأقل لحقيقة المشكلة والخطوط العريضة لحقيقة الحل ..

لم يكن ما حل بالعالم الإسلامي من جمود وضعف وتخلف وانحسار نتيجة للتمسك بالدين ، كما أوهموا الناس ، وكما صدقهم كثير من الناس في فترة التيه ! إنما كان السبب بعد الناس عن حقيقة الدين !

ولم يكن الحل هو نبذ الدين واتباع الغرب فيما ذهب إليه من مذاهب .. إنما كان الحل هو العودة إلى الدين !

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت