فهرس الكتاب

الصفحة 27 من 27364

إن القلوب المؤمنة، والأفئدة المتشربة لدين التوحيد والإخلاص لله - تعالى- حقًا، والصادقة في تحمل أمانة التبليغ؛ لا بد أن تتطهر من لوثة العرقية، وتسلس قيادها لله عقيدة صافية، وشريعة على النهج السليم.

إن الإخلاص لله - تعالى- هو تصفية جميع النوايا والأعمال من ملاحظة المخلوقين، فإن شابها شيء من ملاحظتهم كان الشرك أكبر أو أصغر، ظاهرًا أو خفيًا.

وإن العرقية دائمًا مشوبة بالشرك، وإذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقول60: (إن الله - تعالى- يقول: أنا خير شريك، فمن أشرك معي شريكًا فهو لشريكي، يأيها الناس أخلصوا أعمالكم لله - تعالى- فإن الله تعالى لا يقبل إلا ما خلص له، ولا تقولوا هذا لله وللرحم فإنها للرحم وليس لله منها شيء، ولا تقولوا هذا لله ولوجوهكم فإنها لوجوهكم وليس لله - تعالى- منها شيء) فكيف بمن يلاحظ انتماءه العرقي قبل انتمائه العقدي أو معه في بره أو صدقته، أو زكاته أو زواجه، أو مصاهرته أو صِلاته وعلاقاته؟

إن كل تجمع أو تكتل أو تحزب يراعي فيه المرء مع الله انتماءه العرقي أو القبلي هو للعرق أو للقبيلة، وليس لله منه شيء، والله - تعالى- يقول فيما يرويه عنه نبيه صلى الله عليه وسلم: (( من عمل عملًا أشرك فيه غيري فهو له كله وأنا عنه بريء، وأنا أغنى الأغنياء عن الشرك61 ) ).

ولئن كانت العصبية العرقية والقبلية تزلزل أركان الوحدة الوطنية، وتمزق شمل الأمة، فإن أخطر من ذلك أيضًا أنها تعصف بالإيمان نفسه، وتخرب دنيا المرء وآخرته، يقول - عز وجل: (( لَن تَنفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ) )62، (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ ) )63.

ترى الرجل يفتخر بآبائه وأصوله، ومِنْ أصوله مَنْ هم جُثِيّ64 جهنم، ولن ينفعه ذلك أو يغني عنه يوم القيامة من الله شيئًا، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم:65 (لَينتهينَّ أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم، أو لَيكونُنَّ أهونَ على الله من الجُعَل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ66 الجاهلية، إنما هو مؤمن تقي وفاجر شقي، الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب) ، ويقول: 67 (يا أيها الناس إن الله - تعالى- قد أذهب عنكم عُبِّيَّةَ الجاهلية، وتَعَظُّمَها بآبائها، فالناس رجلان: رجل برٌّ تقيٌّ كريم على الله - تعالى-، ورجل فاجر شقيٌّ هَيِّنٌ على الله - تعالى-، إن الله - عز وجل - يقول:(( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ 68" ) )، ويقول69: (من ادعى دعوى الجاهلية فهو من جُثِيِّ70 جهنم، قيل: يا رسول الله وإن صام وصلى؟ قال: وإن صام وصلى، تداعوا بدعوى الله الذي سماكم بها المؤمنين المسلمين عباد الله) ، ويقول عن العصبية العرقية71: (دعوها فإنها منتنة) ، وعن الحسن أن أُبَيًّا قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا اعتزى72 أحدكم بعزاء الجاهلية فأَعِضُّوه بِهَنِ73 أبيه ولا تُكَنُّوا) 74."

إننا ذريةُ أبٍ واحد وأمٍّ واحدة خُلِقا من تراب، ومن نفسٍ واحدة خلق منها رب العزة زوجها (( وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء ) )، وإن قيامنا بواجب الدعوة الإسلامية عبادةٌ مفروضة، لها أدبها، وأركانها، وشروطها، وأدبها الحياء من الله - تعالى- فلا نشرك معه غيره وجوهًا أو أرحامًا أو عرقًا أو قبيلة، ومن شروطها تطهير النوايا من الشرك كبيرًا أو صغيرًا ظاهرًا أو خفيًا، ومن أركانها إيثار الأتقياء بمحبتنا وولائنا وتعاوننا في الله معهم، مهما تباعدت الأرحام والأعراق والمصالح على غيرهم من أولي العرق أو القبيلة أو المصلحة.

إن دعوى التخلص من لوثة العرقية والتطهر من نتنها ليست شقشقة باللسان، أو استعراضًا متكلفًا مرائيًا لنصوص لا أثر لها في السلوك، ولكنها تحتاج إلى دليل، ودليلها تصرفات المرء ومعاملاته، وأقواله وملامحه، وتصريحاته وتلميحاته، ولئن تكلف امرؤ خُلقًا ليس من أخلاقه، ونية ليست نيته فإن الله - تعالى- يقول: (( وَلَوْ نَشَاء لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ ) )75.

http://www.islamicnews.net:المصدر

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت