فهرس الكتاب

الصفحة 27038 من 27364

وبينما كانت مدن بلنسية الكبرى وقراها وحصونها تتداعى ما بين سنوات ( 63-636هـ ) كان ( أبو زيد ) يبذل جهوده مع النصارى في حروبهم ضد الإسلام . . ويعاونهم في التعرف على نقاط الضعف لدى أبناء دينه السابق . وفي الوقت نفسه كان ابن الأحمر يساعد ملك قشتالة بكتائبه ضد إخوانه المسلمين .

وتسألني لماذا طردنا من الأندلس ؟ فأقول لك: لأن الله لا يظلم الناس شيئا ولكن الناس أنفسهم يظلمون . . ثم أقول لك عبرة التاريخ . . قانون سقوطنا:"حين يبحث كل عضو منا عن نفسه تسقط سائر الأعضاء".

سقوط غرناطة

كان بقاء مملكة غرناطة الإسلامية في الأندلس قرنين من الزمان معجزة من معجزات الإسلام .

فهذه الجزيرة الإسلامية العائمة فوق بحر الصليبية المتلاطم الأمواج والطافح بالحقد والمكر التاريخيين . . هذه الجزيرة ما كان لها أن تصمد صمودها المشهور إلا لأن طبيعة الصمود كامنة في العقيدة والمبادئ الإسلامية . وبدون العقيدة الإسلامية . . ما كان لهذه الجزيرة أن تصمد وحدها في الأندلس بعد أن سقطت كل المدن والقلاع الإسلامية منذ قرنين من الزمان .

كان قانون"الاستجابة للتحدي"هو الذي أبقى غرناطة حية زاخرة بالفكر الإسلامي والرقي الحضاري هذين القرنين . . وكان شعور الغرناطيين بأنهم أمام عدو محيط بهم من كل جانب ، ينتظر الفرصة لالتهامهم ، وبأنه لا أمل لهم في استيراد النصر من العالم الإسلامي ، وبأنه لا بد لهم من الاعتماد على أنفسهم . . كان هذا الشعور باعثهم الأكبر على الاستعداد الدائم . ؟ ورفع راية الجهاد والتمسك بإسلامهم .

وبهذا نجحت غرناطة في أن تظل إلى سنة 1492م ( 897 هـ ) سيدة الأندلس الإسلامي ومنارة العلوم وشعلة الحضارة الإسلامية الباقية في أوربا .

لكن الأعوام القريبة من عام السقوط شهدت تطورا في الحياة الأندلسية . . فعلى المستوى النصراني بدأ"اتحاد"كبير يضم أكبر مملكتين مسيحيتين مناوئتين للإسلام . . وهما مملكتا أرجوان وقشتالة ، وقد اندمج الاثنان في اتحاد توجاه بزواج"إيزابيلا"ملكة قشتالة من"فرناند"ملك أرجوان . . وكان الحلم الذي يراود الزوجين الملكين الكاثوليكيين ليلة زفافهما هو دخول غرناطة . . وقضاء شهر عسلهما في الحمراء ، ورفع الصليب فوق برج الحراسة في غرناطة - أكبر أبراجها - وعلى المستوى الإسلامي . . كان"خلاف"كبير قد دب داخل مملكة غرناطة ولا سيما بين أبناء الأسرة الحاكمة ، وتم تقسيم مملكة غرناطة المحدودة قسمين ، يهدد كل قسم منهما الآخر ويقف له بالمرصاد . . قسم في العاصمة الكبيرة ( غرناطة ) يحكمه أبو عبد الله محمد علي أبو الحسن النصري ( آخر ملوك غرناطة ) وقسم في ( وادي آش ) وأعمالها يحكمه عمه أبو عبد الله محمد المعروف بالزغل .

وقد بدأ الملكان الكوثوليكيان هجومهما على ( وادي آش ) سنة 894 هـ ، ونجحا في الاستيلاء على وادي آش وألمرية وبسطة . . وغيرها ، بحيث أصبحا على مشارف مدينة غرناطة .

وقد أرسلا إلى السلطان أبي عبد الله النصري يطلبان منه تسليم مدينة الحمراء الزاهرة ، وأن يبقى هو حيا في غرناطة تحت حمايتها . . وكما هي العادة في الملوك الذين يركبهم التاريخ وهو يدور إحدى دوراته ، كان هذا الملك ضعيفا . . لم يحسب حسابا لذلك اليوم . . ولقد عرف أن هذا الطلب إنما يعني الاستسلام بالنسبة لآخر ممالك الإسلام في الأندلس فرفض الطلب ودارت الحرب بين المسلمين والنصارى واستمرت عامين . . يقودها ويشعل الحمية في نفوس المقاتلين فيها فارس إسلامي من هؤلاء الذين يظهرون كلمعة الشمس قبل الغروب"موسى بن أبي الغسان".

وبفضل هذا الفارس وأمثاله وقفت غرناطة في وجه الملكين الكاثوليكيين عامين وتحملت حصارهما سبعة أشهر . .

لكن مع ذلك . . لم يكن ثمة شك في نهاية الصراع . . فأبو عبد الله الذي لم يحفظ ملكه حفظ الرجال . والانقسام العائلي والخلاف الداخلي في المملكة في مقابل اتحاد تام في الجبهة المسيحية . . مضافا إلى ذلك حصاد تاريخ طويل من الضياع والقومية الجاهلية والصراع بعيدا عن الإسلام . . عاشته غرناطة وورثته مما ورثته عن الممالك الإسلامية الإسبانية الساقطة .

كل هذه العوامل قد عملت على إطفاء آخر شمعة إسلامية في الأندلس .

وعندما كان أبو عبد الله ( آخر ملوك غرناطة هذا ) يركب سفينته مقلعا عن غرناطة الإسلامية ، مودعا آخر أرض تنفست في مناخ إسلامي في أوروبا بعد ثمانية قرون عاشتها في ظلال الإسلام . . .

في هذا الموقف الدرامي العنيف . . بكى أبو عبد الله ملكه"وملك الإسلام المضاع، وتلقى من أمه الكلمات التي حفظها التاريخ ( ابك مثل النساء ملكا لم تحفظه حفظ الرجال ) ."

والحق أن أمه بكلمتها تلك ، إنما كانت تلطمه وتلطم حكاما في الإسلام كثيرين . . بكوا مثل النساء ملكا لم يحفظوه حفظ الرجال ! ! ! .

القسم الثاني: سقوط خلافات ودول شرقية

* الأمويون - أصحاب دولة الفتوحات - يسقطون

* سقوط الدولة الطولونية في مصر

* الصفاريون ، وقصة سقوطهم

* الإخشيديون على خطى الطولونيين

* سقوط السامانيين في فارس

* البويهيون الذين سطوا على الخلافة . . يسقطون

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت