فهرس الكتاب

الصفحة 27044 من 27364

وبوسع علماء الحضارة أن يقدموا نماذج عديدة تبين بوضوح أن"الخمر العتيقة"لا يمكن أن تذوب دون أن تدخل في صنع مآدب حضارية جديدة . . تماما كالجسم الميت الذي يدخل في أجسام أخرى حية يمنحها من طاقته الذاهبة طاقات جديدة مندفعة للحياة والإبداع ، وكما يأكل الإنسان لحوم الدواجن والحيوانات الأخرى الحلال والأسماك . . ثم يتحول هو يوما إلى طعام يسهم في إحياء حيوانات أخرى . . أو في منح الأرض بعض المواد الكيماوية والحضارات تمر بنفس الطريق الدائري الخالد . . فأثينا برقيها الفلسفي والأدبي . . تتحول إلى خميرة حضارة لروما . والحضارة الأوربية تقوم على خميرة الحضارة الإسلامية وبقايا الحضارات الرومانية .

وعندما زرع أحمد بن طولون منشئ الدولة الطولونية أولى بذور الحركات الانفصالية في مصر عن الخلافة العباسية الجامعة والأم ، بدأت بزرعه لهذه البذرة الخبيثة بذور الانفصام تدب في نفوس قوى كثيرة جياشة بالفوضى . زاخرة بالطموح الشخصي، ناقمة على قيادة العباسيين . . الجامعة . متأثرة بعوامل قومية من تلك العوامل التي تدمر روح الحضارة وتبشر بمستقبل ضائع ميت . . لقد كانت دولة ابن طولون مثالا لكثير من الدويلات التي شذت على الخلافة ، وشيدت أبنيتها المتداعية على أنقاض الخلافة ، ولم يعد لكثير منها علاقة بالخلافة أكثر من الاعتراف بسلطة الخليفة الاسمية .

وبعد السقوط المتوقع لهذه الدولة عادت مصر وسورية إلى حكم العباسيين ، بيد أن بذرة الانفصال - كما ذكرنا - كانت قد زرعت في نفوس قوى كثيرة ، جائشة بالفوضى فوارة بالنوازع القومية الوثنية . . فما كادت دولة ابن طولون تموت حتى حلت محلها بعد برهة زمنية قصيرة - في مصر - دولة الإخشيديين التي أسسها"محمد بن طغج"والتي عاشت آيلة للسقوط بين سنوات ( 323 - 358هـ ) ( 935 - 969م ) .

وكانت بداية الدولة نظيرة لنفس البداية التي انطلقت منها الدولة الطولونية ، فمحمد ابن طغج وكل إليه من قبل الخلافة العباسية أمر مصر لتنظيم أحوالها . . فنظم أحوالها لنفسه واستقل بالأمر ، واستولى على سورية وفلسطين وضم مكة والمدينة إلى دولته .

وبموت ابن طغج حكم بعده ابنان له صغيران لم يكن لهما من الحكم إلا اسمه . . وكانت مقاليد الأمور في الحقيقة منوطة بيد عبد خصي حبشي يدعى"كافور""أبا المسك"- كان ابن طغج الذي لقب بالإخشيد - قد اشتراه من تاجر زيت بثمانية دنانير .

وقد استقل هذا العبد الحبشي بإدارة مصر . . ( وكانت له مع شاعر العصر أبي الطيب المتنبي قصص مشهورة ) كما أن هذا العبد الخصي نافس دولة الحمدانيين التي ظهرت في شمال سورية .

وعبر خمسة حكام ضعاف باستثناء أولهم محمد بن طغج - مشت الدولة مسرعة في طريقها إلى الموت المحقق . . فلم يكن الحاكمان التاليان لمؤسسي الدولة إلا تابعين لكافور - كما ذكرنا - وبموت كافور وتولي ( أبي الفوارس أحمد ) سقطت الدولة سقوطا مروعا على يد جوهر الصقلي قائد المعز لدين الله الفاطمي سنة 358هـ .

ولم يقدر لهذه الدولة أن تخلف شيئا يذكر من المآثر العامة ، كما أن الحياة الأدبية والفنية لم تكن ذات بال فيها ، ولم يظهر كلمعة الشمس المتوهجة إلا ذلك الضيف الباحث عن فضلة من كأس الحكم . . يدعم بها غروره الشعري وتفوقه الجدير بالتقدير في ميدان الكلمة المسيطرة الآمرة ! ! وعندما ضن عليه كافور بفضلة الكأس هرب من مصر دون"تأشيرة خروج"ولقي حتفه جزاء له . . بعد أن ترك حقده على السلطة ممثلا في أشهر أبياته:

لا تشتر العبد إلا والعصا معه ** إن العبيد لأنجاس مناكيد

مريدا بذلك أشهر حكام الدولة الإخشيدية"كافور".

ولو لم يصل جوهر إلى حدود مصر لسقطت الدولة الإخشيدية بفعل عامل آخر ، فعندما لا يكون هناك مبرر للوجود . . لا يكون ثمة مبرر للبقاء . . ولا تفعل القوى الخارجية التي تسيطر على الأمم والشعوب سوى أن تتقدم في فراغ دون أن تصطدم بجدران حضارية أو صخور قوية راسخة بالعقيدة"بمبرر الوجود . . . ومؤهل البقاء"!

سقوط السامانيين في فارس

كما لا تلد الطفرات غير الطبيعية إلا طفرات مضادة اندفاعية - هكذا تحولت أرض خراسان - منذ أن ابتدع فيها سنة الانفصال عن العباسيين بنو طاهر ، ولئن كان بنو طاهر قد أفلتوا من العقاب المضاد ، لأنهم لم يكونوا حركة ثورية عنيفة ، وإنما كانت انفصالا هادئا في حدود السلطة الرسمية المشروعة ، سلطة الخلافة العباسية الأم . . لئن كان هذا قد تم لهم . . فإن الأمور قد استفحلت من بعدهم . . وأصبح الشذوذ هو القاعدة . . وانقلبت الأرض الخراسانية إلى أرض للثورات المذهبية والجنسية . . ولعل هذا كان من أكبر عوامل القضاء على الدور التاريخي الذي كان يمكن أن يلعبه الخراساني في صنع الحضارة الإسلامية الإنسانية .

فحيثما حل العنف واللامشروعية . . وانساقت الجماهير دون تعقل خلف رايات متعددة ، وخلف كلمات مبهمة . . فقدت بالتالي قدرتها على الرؤية . . وقدرتها على العطاء الحضاري . أصبحت لعبة في يد كل ناعق سواء كان ذا صوت طبيعي أو مصطنع .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت