فهرس الكتاب

الصفحة 27056 من 27364

وقد نجح الخليفة العباسي هارون الرشيد في أن يدس على إدريس من يدس له السم في العسل ، وكان الرشيد يضحك ويتندر بقوله"إن لله جنودا من عسل"لأنه سمه بواسطة العسل .

وقد ترك إدريس زوجته حاملا فولدت بعد موته ذكرا التف البربر حوله وبايعوه باسم إدريس الثاني . وفي عهد إدريس الثاني هذا حاول العباسيون بواسطة ولاء الأغالبة الموجودين في تونس لهم ، حاولوا القضاء على الأدارسة . . لكنهم فشلوا . . وركن العباسيون إلى السكوت . . واستمرت الدولة الإدريسية ـ كما ذكرنا ـ قرنين من الزمان .

وكان من أعظم حكام الأدارسة يحيى الرابع بن إدريس الذي حكم ثماني عشرة سنة ( 292 ـ 310 هـ ) وازدهر المغرب الأقصى في حكمه أيما ازدهار .

كما بلغت مدينة فاس عاصمة الأدارسة ذروة مجدها ، وأصبحت مركزا هاما من مراكز الحضارة الإسلامية في أنحاء المغرب العربي . وأيضا قد ساعد الأدارسة على رسوخ قدم الإسلام في بلد المغرب بين البربر ، وانتشر الإسلام بواسطة البربر في أفريقيا الغربية .

وكانت جامعة القرويين التي قامت بدور بارز في نشر وإنماء الثقافة الإسلامية من أهم آثار الأدارسة في المغرب الإسلامي ، وقد قامت في المغرب بما قام به الأزهر ـ أو على نحو قريب منه ـ في المشرق العربي .

لقد كان الأدارسة أول دولة لها هذا الطابع في التاريخ وفيما نعتقد لم تكن دولتهم شيعية إلا بمقدار حب آل البيت والولاء لهم . . وهي صفة يشترك فيها السنة والشيعة معا . . فحب آل البيت من حب الرسول عليه الصلاة والسلام ما كانوا قائمين على كتاب الله وسنة رسوله . . أما إذا خالف أحدهم كتاب الله وسنة رسوله . . . فإنه يقف من الله موقف أي إنسان"يا فاطمة بنت محمد اعملي فإني لا أغني عنك من الله شيئا"هكذا قال الرسول عليه الصلاة والسلام ! ! .

ولهذا الوضوح في دولة الأدارسة أحبها أهل السنة وانتصرت بهم ، وكانت القبائل البربرية السنية في المغرب حاميتهم وعماد دولتهم .

ولهذا السبب عاشت دولة الأدارسة نحوا من قرنين من الزمان وأدت دورا حضاريا لا بأس به في المغرب الإسلامي .

بيد أنها كأية حركة انفصالية كانت تفتقد مبرر الوجود والبقاء . . فظلت على الرغم من"قرنيها"مجرد حركة انفصالية . ولم تستطع ـ لا جغرافيا ولا فكريا ـ أن تزيد على حدودها التي ضمها إدريس الأول شيئا ذا بال .

وقد وقعت كذلك بين عديد من القوى الراغبة في الابتلاع . . وقعت بين الأمويين في الأندلس ، الذين كثيرا ما سددوا إليها الطعنات . . وبين مصر التي انتقلت إلى الفاطميين منذ سنة 359 هـ . . فوجهوا إلى الأدارسة طعنات كذلك على الرغم من القرابة المذهبية . .

ولا يمكن إغفال ضربات القبائل البربرية الراغبة في حكم نفسها، لا سيما قبائل زناتة وهوارة .

وقد أدى ذلك كله على غروب شمس الأدارسة عام 375 هـ .

فانتهت إحدى الحركات الانفصالية في تاريخنا الإسلامي . . لأن السقوط ـ وإن كثرت المقويات والمساعدات ـ هو مصير كل الحركات الانفصالية .

سقوط صقلية الإسلامية

بعد قرنين من فتح المسلمين لصقلية على يد الفقيه أسد بن الفرات سنة 212 هـ كان كل شيء يؤذن بالأفول . . كانت الأندلس تعيش حالة ملوك الطوائف الذين تداعوا تداعي البيت المفكك أمام زحف المرابطين بقيادة رجلهم المؤمن رجل العقيدة والدولة يوسف بن تاشفين .

وكانت الجزائر وتونس تعانيان من هجمة القبائل العربية الهمجية الزاحفة تدمر كل شيء دون تعقل .

وكانت مصر قد ذهبت نضارتها على يد الفاطميين الذين كانوا قد فقدوا نضارتهم كذلك ، بل كانت مصر التي يحكمها الخليفة المستنصر تعاني من مجاعات غريبة لعلها لم تحدث في تاريخها بالمرة لدرجة أن الناس أكلوا بعضهم بعضا وبيعت لحوم الكلاب في الأسواق .

كان هذا هو الجو المحيط بصقلية الأغلبية الإسلامية . . الجو الذي يطلق عليه مؤرخونا عبارة"الحالة الإسلامية في النصف الثاني من القرن الخامس الهجري"! ! !

لكن كل هذا كان أقل من أن يقتطع غصن صقلية من شجرة الإسلام إلى اليوم . . لقد كان ثمة سبب آخر أشد وأقوى .

كان هناك الهزيمة الداخلية التي هي الباب الوحيد التي تدلف منه كل الهزائم الواردة . . كان هناك لصوص المناصب وهواة الزعامات والمتمسحون في أمجادهم العائلية .

كانت صقلية قد فقدت أمثال فاتحها العظيم أسد بن الفرات القاضي والفقيه والقائد والشهيد الذي استحق عن جدارة بطولة فتح صقلية .

وحل جيل جديد تتنازعه التقاليد الوثنية النورمانية وينظر بإعجاب إلى الجنوب الأوروبي ، وإلى تقاليد العدو الواقف بالباب . . وعندما حلت الهزيمة الداخلية على هذا النحو . . كان من السهل أن يدخل روجار بجيوشه ، وأن تتحول صقلية إلى اليوم قلعة صليبية تكيد للإسلام .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت