وعلى مستوى الأحداث الجزئية ذات الدلالة؛ فإن قيام القوات الأمريكية بقتل أسرى قلعة جانجي في أفغانستان، وإصدارها الأوامر بقتل كل أسير ينتمي لطالبان والقاعدة، ثم ما حدث ويحدث في معتقل جوانتانامو، وكذا الممارسات القمعية والتمييزية والعنصرية ضد العرب والمسلمين في أمريكا كلها تقول بأن فاقد الشيء لا يعطيه وأن حديث أمريكا عن الديمقراطية هو نفاق محض.
في هذا الصدد فإن أحدًا لا يصدق أمريكا حتى الأمريكيين والأوروبيين بل والمتعاطفين مع النموذج الأمريكي بين المثقفين العرب؛ فالمفكر الأمريكي (فوكوياما) صاحب نظرية"نهاية التاريخ"التي بشر فيها بسيادة الليبرالية الغربية يرى أن دعوة أمريكا إلى الديمقراطية تفتقر إلى المصداقية، والصحفي البريطاني (روبرت فيسك) يقول الشيء نفسه مع إضافة أن أمريكا تدعم الطائفية وتمنع الديمقراطية في العراق؛ بل ويقول: إن الغرب نفسه هو الذي منع التطور الديمقراطي في المنطقة؛ فبريطانيا مثلاً هي التي منعت بالقوة التطور الديمقراطي في مصر في الثلاثينيات من القرن الماضي. والدكتور (عبد المنعم سعيد) وهو مفكر مصري وصحفي بالأهرام ورئيس مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية وهو بالمناسبة مع النموذج الأمريكي وضد المقاومة ومع التطبيع .. إلخ اكتشف أخيرًا أن الاستثناء الأمريكي بخصوص الديمقراطية قد انتهى، وأن المدينة المضيئة على التل قد أصبحت معتمة!! وأن هناك أيديولوجية شوفينية بدأت تترعرع في أمريكا ذاتها.
الجديد في المبادرة
الجديد في مبادرة الشرق الأوسط الكبير هو أن الأمريكان قد لجأوا هذه المرة إلى إشراك الأوروبيين في المسألة، وهذا بالطبع جاء تحت ضغط المقاومة العراقية التي يمكن أن تتحول إلى حالة عربية إسلامية وتكون خطرًا على المشروع الغربي برمته وليس المشروع الأمريكي فقط، وأمام مثل هذا الخطر؛ فإن أمريكا تتخلى عن غطرستها وتشرك الأوروبيين معها والأوروبيون يتنازلون عن مصالحهم المتعارضة مع أمريكا لمواجهة هذا الخطر ويشاركون الأمريكيين في المسألة، وهذا ما يفسر قبول الأوروبيين بالمشاركة في المبادرة، بل وتتخلي ألمانيا عن معارضتها لأمريكا عمومًا وهكذا أقوال وزير خارجيتها التي تصب في دعم أمريكا تمامًا، وهذا الموقف ليس جديدًا لا على أوروبا ولا على أمريكا؛ فهناك بالطبع تناقضات مصالح بين هذه الدول وبعضها ولكنها تناقضات ثانوية في النهاية يتم تسويتها باقتسام الكعكة أو زوالها بظهور خطر حقيقي عليها كلها مثل خطر المقاومة والتاريخ مملوء بنماذج لزوال تلك التناقضات الثانوية مثل ترحيب فرنسا بالاحتلال الإنجليزي لمصر 1882؛ وذلك لذبح الثورة العرابية لأنها كانت تشكل خطرًا على المشروع الاستعماري الأوروبي بأكمله وقد قال ذلك مباشرة وزير خارجية فرنسا في إطار تهنئته للإنجليز بهزيمة عرابي ، والأمر نفسه حدث في الاتفاق الودي الفرنسي الإنجليزي عام 1904 والذي ضربت فيه فرنسا الحركة الوطنية المصرية في ظهرها بعد أن أظهرت لها التأييد قبل ذلك وهو نفسه ما يفسر الموقف الفرنسي"الضمير الفرنسي المطاط"في الموقف من العراق منذ عام 1990 وحتى الآن والموقف الألماني مؤخرًا والموقف الروسي"السوفيتي"عام 1967..، وغيرها من الأمور التي تبدو غير مفهومة بعض الوقت ما لم يتم وصفها في إطار نظرية التناقضات الثانوية التي تزول أمام التناقض الجوهري وهو التناقض بين الحضارة الإسلامية ككل والحضارة الغربية ككل!
صناعة خارجية مرفوضة
بقي أن نقول إن تلك المبادرات تأتي بطريقة فوقية، فلا الشعوب شاركت في مناقشتها - وهذا طبيعي - ولا حتى الحكومات الصديقة للغرب تم استشارتها وهذه إهانة لها! وهي مبادرات على طريقة القص واللصق، ومهما كانت النية وراءها؛ فإن الجسم العربي الإسلامي سيرفضها بالضرورة بحكم التكوين الحضاري والثقافي وبحكم الحساسية التاريخية وبحكم أنها صناعة خارجية.