فهرس الكتاب

الصفحة 27164 من 27364

وهنا يتبدَّى سؤال جديد: هل يستحق دينٌ يدعو إلى هذا السموِّ أن يُحارِبَه الناسُ أو يواجهَه البشرُ أو يقفوا حائطَ صدٍّ أمامَه، أو يروا أنه دينٌ فاشيٌّ؟!

إن دينًا يدعو إلى هذه الفضائل، ويسعى إلى نشر الحب والعدل والحرية بين بني الإنسان، لا يخاف منه إلا المستبدُّون ولا يرهبه إلا الطغاةُ المتجبِّرون، ولا يخشاه إلا مَن يستمرئون تعبيدَ الناس لذواتهم وتركيعَ الشعوب لأطماعهم ونهْبَ ثرواتهم.

إن دينًا ينشُرُ الوعْيَ بين بني الإنسان بحقوقهم ويلفت أنظارَهم إلى أن حريتَهم هي أغلى ما يسعَون إلى نَيْلِه والحصول عليه لَجديرٌ بأن يهابَه المستعمِرون، الذين يسطون على ثروات الشعوب، وحريٌّ بأن يتوجَّس منه الطامعون فيما عند الناس.

قضايا مصنوعة

هذا ما يخشاه المحافظون الجُدُد في الغرب؛ ولذا فهم حريصون على أن يُصدِروا لنا كلَّ يوم قضايا مصنوعةً ويفرضوا علينا معاركَ موهومةً وأقضيةً مستجدةً، تصرف المسلمين عن قضيتهم الكبرى ومهمتهم العظمى التي جاء بها هذا الدين العظيم، وهي تبشير الناس بالحرية والعدل والمساواة، والانعتاق من الاستبداد، حينها يعيش المرء في كنف الله ووفق منهجه الذي ارتضاه لعباده.

وهم لذلك تارةً يثيرون قضية الحجاب؛ بحجة مناهَضَة ذلك لخصوصيتهم الثقافية، ويشاركهم فيها- للأسف- بنو جلدتنا، ممن يتسمَّون بأسمائنا، ويدَّعون الانتماءَ إلى مجتمعنا، وإنما هم صنيعة الغرب وأدواته، ومرةً يثيرون قضية الرسوم المهينة لنبينا- صلى الله عليه وسلم - بدعوى حرية الرأي والتعبير؛ حتى ينصرف الناس عن إدراك أن هذه الحملات إنما تأتي في إطار منظومة متكاملة تستهدف دينًا يشترط الإيمان بالحرية على من يعتنقه، ويدعو إلى إشاعة العدل والقسط، ويأبى أن يفرِّق بين بني الإنسان، فهم في كنفه سواسية أكفاء.

إن هذه الحملات التي تظهر يومًا وتختفي في يوم هي فروعٌ من هذه الحرب المدمِّرة، التي يسعى إليها المستبدُّون الراغبون في السيطرة على مقدرات الأمم والشعوب، وهي لن تصرفَ أمتَنا عن التمسك بحريتها واستقلالها وكرامتها وأخلاقها وقيمها، ولن تصرف الدعاة إلى هذا الدين- وفي القلب منهم جماعة الإخوان المسلمين- عن الاستمساك بحبل الله المتين، ولن تدفعَهم إلى الركون إلى الطغاة والمستكبرين في الأرض، فلن نُستعبَد وقد خَلَقَنا اللهُ أحرارًا، ورضِيَ لنا الحريةَ منهجًا وطريقًا مستقيمًا.

وصلَّى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله رب العالمين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت