وتأتينا الليبرالية الاقتصادية (الرأسمالية) بوجهتها الانتهازية ونكهتها اليهودية؛ إذ تقوم منذ وضع أسسها (آدم سميث 1723 ـ 1790) على المصلحة، أو (الأنانية) ، فهي المحرك الوحيد للنشاط الإنساني كما يقول، ولا ينبغي أن يوضع أمام المصلحة أي قيد، وهو ما عبر عنه بقوله: (دعه يعمل، دعه يمر) ؛ فالاقتصاد لا ينظمه حسب النظام الرأسمالي إلا قانون العرض والطلب وقوانين الطبيعة البشرية، دون أي قيود أو ضوابط.
وتجيء الليبرالية الدينية، أو (الميتافيزيقية) كما يسمونها أحيانًا، لتكون عارًا على كل من يتبنى الليبرالية ممن يدعي احترام المبادئ الإنسانية فضلًا عن القيم الإسلامية، فالليبرالية الدينية، أو التعددية الدينية تسعى إلى نمط من الفكر الديني، لا يتقيد بأية قواعد، ولا يستند إلى أية مرجعية، بل يستند إلى حرية الإنسان في اختيار الإله الذي يهواه، ولو عبد كل يومٍ إلهًا.. ولو لم يعبد إلهًا على الإطلاق إلا هواه.
والليبرالية الدينية تقوم على فكرة نسبية الحقيقة، وترِّوج لمقولة: لا دين على الإطلاق يحتكر الصواب.
ولهذا كانت الليبرالية الدينية دائمًا هي الأداة الخادمة والدافعة لبقية الليبراليات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية؛ لأن الليبرالية الدينية تهدم أولًا القواعد، وتزيل الحواجز، لينطلق (البناؤون الأحرار) بعدها في تشييد أبنية الضلالة على أسس الغواية، كل ذلك على خلفية إلغاء الخصوصيات الثقافية، وتدمير مفهوم (المقدس) وتبديله بمهفوم (النسبية) في الحقائق والعقائد والقيم لإزالة الثبات عنها، حتى لا يبقى هناك مجال لأصول تبنى عليها الهوية، أو ترتكن إليها القيم.
وفي عالمنا الإسلامي، وبالرغم من أن الليبرالية بدأت تظهر حقيقتها على أنها حملة استئصالية، تستهدف الدين في أصوله قبل فروعه، والأخلاق في جوهرها قبل مظهرها؛ فقد وجدت من الأفّاكين من يروِّج لها ويتحدث باسمها، بل تطور الأمر إلى أن بعض الطيبين انساق إلى الانخداع بالليبرالين والإنصات لقولهم، وصدق الله: {وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ} [التوبة: 47] .
وتمخض الأمر عن ميلاد ما يعرف الآن بـ (الليبرالية الإسلامية) على غرار ما كان يعرف بـ (اشتراكية الإسلام) و (اليسار الإسلامي) وكذلك دعوى (ديمقراطية الإسلام) والدعوة إلى (أسلمة العلمانية) .
والسؤال هنا: هل سيؤول مصير (الليبرالية الإسلامية) إلى معنى (الليبرالية الدينية) المتمحور حول مقولة (جون هيك) : «لا دين يحتكر الحقيقة» ؟! نخشى أن يحدث ذلك! وهل سيقول الليبراليون (الإسلاميون) إن الإسلام لا يملك كل الحقيقة، وأن عقيدته لا تمثل كل الصواب؟ فبعض الأفراخ الجديدة للفكر الليبرالي (الإسلامي) بدأت تكشف عن نفسها في جراءة لا تُستغرب على من يؤمن بـ (نسبية الحقيقة) و (تطور القيم) ، وهو ما قد يوصِل إلى التطابق والتماثل بين (الليبرالية الإسلامية) والعلمانية الرامية إلى فصل الدين عن الحياة، ولكن هذه قضية أخرى تحتاج إلى تفصيل وتأصيل.
غير أن إرهاصات التحول (العربي) الليبرالي العلني إلى محادَّة الدين تشعرنا بالقلق، من أن تتحول هذه العدوى إلى التوجه الليبرالي (الإسلامي) المدَّعى.
يثير موقع شبكة (الليبرالية الكويتية) في زاوية (من نحن؟) السؤال التالي: «هل الليبرالي علماني؟ » ، ويجيب: «نعم! كل الليبراليين علمانيون» ، ثم يثير سؤالًا آخر: «ما هو موقفنا من تطبيق الشريعة الإسلامية؟ » فيجيب: «الحقيقة هي أنه لا توجد هناك أية شريعة إسلامية، بل هناك شرائع إسلامية متعددة.. وقد أثبت التاريخ أن جميع الدول الدينية في التاريخ الإنساني هي دول دكتاتورية قمعية، ولا يوجد نموذج لشريعة إسلامية حتى الآن يتوافق مع حقوق الإنسان الأساسية» ثم ينتهي القائمون على الموقع إلى القول: «الطريق إلى العدل والمساواة والحرية يبدأ بتطبيق الديموقراطية والليبرالية الحرة، أما الدعوة إلى الشريعة؛ فما هي إلا أوهام مخلوقة من الجماعات الأصولية لبسط نفوذها» .
هل يستطيع الليبراليون (الإسلاميون) تبرئة زملائهم من الليبراليين العرب في الكويت أو غيرها من هذا الإلحاد الصريح؟ وهل يستطيعون أن ينفوا عن الليبراليين (الإسلاميين) في تركيا مثلًا توقهم المتسارع والمندفع إلى نحو تلك الليبرالية الدينية.. ؟ لقد قال نجم الليبرالية (الإسلامية) «رجب أردوغان» : «نحن بحاجة إلى تغيير توجهنا إلى حيث الليبرالية الدينية.. » ، ومع هذا لا يزال «أردوغان» فارس أحلام العديد من (الإسلاميين) الليبراليين، الذين تسميهم بعض الأوساط الأمريكية (الإسلاميين الجدد) .
لا نشك أن الولايات المتحدة سترعى هذه التيارات الجديدة، وستتبناها؛ لأنه أقصر طريق للوصول إلى بغيتها في ضرب ما تسميه (الإسلام الأصولي) أو (السلفي) أو (الوهابي) ، بل إنها ستزرع زرعًا ـ من خلال نفوذها على الحكومات ـ مثل هذه العناصر الداعية إلى (التحرر الديني) في مناصب التأثير والتوجيه الاجتماعي، وهو ما كشف عنه تقرير معهد (راند) الشهير عن (الإسلام المدني الديموقراطي) أي (الإسلام الليبرالي) وكذلك تقرير (عقول وقلوب ودولارات) .