وأما أنت محبّ السياسة فبارك الله بفألك وتطلعك، لكن يلزم بعض التوضيح لكي لا تنقلب النيات والامكانيات إلى شعارات. وذلك لأن الاقتناع بضرورة العمل والتوجيه نحوه لا يعني بالضرورة أن نتاجه سوف يكون في صالح الشعار المرفوع! ويحدث ذلك عندما لا نتدبر ملياً الآثار بعيدة المدى ولا ندرس مستتبعات آليات الوصول. إن الفخ الكبير الذي يمكن أن يقع فيه هذا الطرح هو أنه يفترض نفسه مسبقاً أنه يفهم الإشكال والحل بآن واحد، وأن ليس عليه إلا المباشرة بالعمل. والكلام في الاستراتيجيات يمكن أن يتحول إلى شعار يُرفع ليبرر حركات رد الفعل والاستسلام للواقع المفروض. إذ أنه كيف نضمن أن لا ينقلب تصور العمل الاستراتيجي إلى براغماتية مستعجلة ليس عندها الصبر على طول الطريق؟
ثم إن المقابلة بالمثل قد تجر إلى إخفاق محقق بسبب التفاوت الكبير في القدرات. ولنأخذ مثال الأفلام الذي ضرب، فهل بالاستطاعة إنتاج أفلام موازية لاتقان أفلامهم وهي تكلف الملايين؟ وهل يمكن إخراج أفلام ناجحة بلا أدب أصيل؟ إن الأدب المتين المستند إلى قاعدة فكرية سليمة هو الذي يمكّن من الانتاج النوعي؛ والعكس بالعكس. وإني لأفهم أن الرؤية الاستراتيجية هنا هي التي تعطي الأولوية لـ (الحركة) على مستوى الأدب، لا الـ (حركة) العملية البحتة. فالهرع نحو إخراج أي فيلم واعتماد الترجمة والتقليد و (دبلجة) إنتاج الآخر تحت شعار الانفتاح والإيجابية يغلب أن يعطي نتاجاً ذا نوعية ثقافية متدنية بغض النظر عن نجاحه.
بل لعله يصح القول بأن مواجهة الغالب بغير ما غلب به هو الأقرب للصواب. يعني مواجهته بغير أدواته، لأنه لن يبرح ألا يكون متفوقاً فيما أتقنه وطوره. ثم إن المقابلة بالمثل قد تنتهي عملياً بأن يتحول المخالف إلى جزء لا يتجزأ من تلك الحركة الضخمة. وذلك أنه إذا اتبعنا وسائل الغير بحذافيرها وتحركنا ضمن منظومته فسوف نجد أنفسنا تحت حاجة حركية وضرورة واقعية أن نعمل من خلال تلك الآليات ذاتها وأن نقبلها وأن ندخلها ضميرنا وأن نخترع لها المسوغات الفكرية، لأنه بدون ذلك لا يمكن أن يكون لنا فاعلية في التعامل معها. والخلاصة أني أرى بعض الصواب في فكرة العمل الاستراتيجي، لكن أخشى أن يفرّغه الاستعجال من معناه.
وأخيراً ألا يلزم أن يستحضر الطرحَ الفقهيَ بأن القضية ليست مشكلة فردية تنحصر بإصلاح النفوس. إن التحدي الذي يواجهنا ليس تحدي أفراد بل هو تحدي منظومة قوية تلتهم ما تجده أمامها وتحوله إلى وقود يزيد في قوتها. وإن دعوى التأصيل يمكن أن تتحول إلى تبرير للواقع، مع الإعراض عن الواقع والعيش مع الرضى أو التذمر- وفق الشروط المفروضة من منظومة كبرى. ولا يعدو النشاط المطلوب حينذاك أن يكون تخريجاً للحيل الشرعية للتعايش مع ما ُيدّعى بأنه مرفوض.
وساد صمت قطعه سلام الانصراف، فما رأيك أخي القارئ الكريم؟
* باحث مهتم في دراسة سنن الاجتماع