فهرس الكتاب

الصفحة 3194 من 27364

أما في المجال الثقافي فإن للولايات المتحدة تفوقاً واضحاً جداً على منافسيها الاقتصاديين في مجالات الثقافة الشعبية، ولا سيما صناعة الأفلام وشؤون اللهو والطرب، وقد ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أن أمريكا تصدر إلى أوروبا سنوياً مليوناً ومائتي ألف ساعة من البرامج التلفازية، وهذا الكم الهائل من ساعات البث كاف لتشغيل أكثر من 130 محطة تلفازية على مدار الساعة. وفي دراسة لليونسكو ما يفيد أن البث الأمريكي في تلفازات العالم يتجاوز 75% على حين تتوزع النسبة الباقية على هيئات الإنتاج الوطني الأوروبي وغيره، أما قطاع الإنتاج السينمائي الأمريكي فهو يمثل 85% من الإنتاج العالمي، كما هو الحال في عام 1996 م.

الثالثة: إن الخلفية العقدية والفكرية والتاريخية والثقافية للدول والشعوب التي تقود العولمة خلفية مادية دنيوية علمانية، فمهما اختلف اليابانيون مع الأمريكيين أو الكنديين أو الأوروبيين فإن الذي يجمع هؤلاء جميعاً هو أنهم يتحركون بوحي من عقائد وأخلاق وضعية، لا تعطي"الدار الآخرة"اعتباراً يذكر، ولا ريب أن المؤثرين الأساسيين في عولمة الكوكب هم الأمريكيون الأوروبيون ولهؤلاء أجداد من اليونانيين يلقبون بـ"السوفسطائيين"كانوا يؤمنون بين ما يراه الفلاسفة الغربيون اليوم من مبادئ المنفعة والقوة، وقد كانوا يؤمنون أن العدالة تسير مع مصلحة الأقوى وجوداً وعدماً، وكان أرسطو الفيلسوف اليوناني الشهير يرى أن الحرب جائزة في حالة واحدة، هي حالة اصطياد الأرقاء. ولا ننس ما انغمس فيه الغربيون من عمليات إبادة منهجية لم يعرفها تاريخ البشرية من قبل، على نحو ما فعلوا في إبادة سكان"الأمريكيتين"وفي عمليات نقل السود من أفريقيا إلى بلادهم، ونقل العناصر البشرية غير المرغوب فيها اجتماعياً إلى جيوب استيطانية، ومن أجل تحقيق مكاسب اقتصادية ضخمة خاض الغرب ضد الصين حرب الأفيون الأولى والثانية، ولماذا نذهب بعيداً وقد عانينا على مدى قرن ونصف من الاستعمار العسكري الأوروبي على امتداد العالم الإسلامي.

وهذه الاعتبارات في تصوري كافية للوقوف على قيادة العولمة ومدى تحكم الغرب فيها.

ولا ننس أن هذه الوضعية قد تتغير بحسب الدول التي يكتب لها النفوذ السياسي والثقافي في المستقبل. والله المستعان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت