"يخبر الله تعالى أنَّ: (( الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء ) )أي: قوَّامون عليهن بإلزامهن بحقوق الله تعالى، من المحافظة على فرائضه، وكفهن عن المفاسد، والرجال عليهم أن يلزموهم بذلك، وقوَّامون عليهن أيضاً، بالإنفاق عليهن،والكسوة، والمسكن"اهـ.
وبمجموع كلام هؤلاء المفسرين نستنتج أنَّ معنى القوامة يدور على خمسة أشياء:
1ـ أنَّ الرجل كالرئيس على المرأة والحاكم عليها والأمير.
2ـ مؤدبها إذا اعوجت وأخطأت وضلَّت طريق الهدى.
3ـ أنَّ الرجل يبذل لها المهر والصداق.
4ـ أنَّ الرجل يتولى أمرها ويصلح حالها، ويحسن عشرتها، ويأمرها بالاحتجاب عن الأجانب ،وأهل الشر والفتنة.
5ـإلزامهن بحقوق الله تعالى،بالمحافظة على فرائضه، والكف عما نهى عنه.
وقد يتساءل البعض لماذا كانت القوامة قد اختص بها الرجل على المرأة ولم يكن ذلك بالعكس،فيقال:ذكرابن العربي ـ رحمه الله ـ في تفسيره أحكام القرآن (3) أنَّ سبب تفضيل الرجل على المرأة في القوامة"وذلك لثلاثة أشياء:"
الأول: كمال العقل والتمييز.
الثاني: كمال الدين والطاعة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكرعلى العموم، وغير ذلك، وهذا الذي بيَّن صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح:"ما رأيت من ناقصات عقل ودين أسلب للبّ الرجل الحازم منكن. قلن: وما ذلك يا رسول الله؟ قال: أليس إحداكن تمكث الليالي لا تصلي ولا تصوم، فذلك من نقصان عقلها". وقد نصَّ الله سبحانه على ذلك بالنقص، فقال: )) أَن تَضِلَّ إْحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى (( .
الثالث: بذلهُ لها المال من الصداق والنفقة، وقد نصَّ الله عليها ها هنا"اهـ."
قال الشوكاني (4) في قوله تعالى: (( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) )قال: (( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ ) )للسببية، والضمير في قوله: (( بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ (( للرجال والنساء، أي: إنما استحقوا هذه المزية لتفضيل الله للرجال على النساء بما فضَّلهم به من كون فيهم الخلفاء، والسلاطين، والحكام، والأمراء، والغزاة، وغير ذلك من الأمور.
قوله: (( وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ) )أي: وبسبب ما أنفقوا من أموالهم، وما مصدرية، أو موصولة، وكذلك هي في قوله: (( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ ) )ومن تبعيضية، والمراد: ما أنفقوه في الإنفاق على النساء، وبما دفعوه في مهورهن من أموالهم، وكذلك ما ينفقونه في الجهاد، وما يلزمهم في العقل"."
وقال الشيخ محمد رشيد رضا (5) :"وسبب ذلك أنَّ الله تعالى فضَّل الرجال على النساء في أصل الخلقة، وأعطاهم ما لم يعطهن من الحول والقوة، فكان التفاوت في التكاليف والأحكام أثر التفاوت في الفطرة والاستعداد، ومن ثم سبب آخر كسبي، يدعم السبب الفطري، وهو ما أنفق الرجال على النساء من أموالهم، فإنَّ في المهور تعويضاً للنساء ومكافأة على دخولهن بعقد الزوجية تحت رياسة الرجال، فالشريعة كرَّمت المرأة إذ فرضت لها مكافأة عن أمر تقتضيه الفطرة ونظام المعيشة، وهو أن يكون زوجها قيِّماً عليها، فجعل هذا الأمر من قبيل الأمور العرفية التي يتواضع النَّاس عليها بالعقود لأجل المصلحة، كأنَّ المرأة تنازلت باختيارها عن المساواة التامة وسمحت له بأن يكون للرجل عليها درجة واحدة هي درجة القوامة والرياسة، ورضت بعوض مالي عنها...".
وقال الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره عن آية: (( بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) ):"أي: بسبب فضل الرجال على النساء،وأفضالهم عليهم..فتفضيل الرجال على النساء من وجوه متعددة؛ من كون الولايات مختص بالرجال، والنبوة والرسالة، واختصاصهم بكثير من العبادات، كالجهاد،والأعياد،والجمع، وبما خصَّهم الله به من العقل، والرزانة، والصبر، والجَلَد، الذي ليس للنساء مثله، وكذلك خصَّهم بالنفقات على الزوجات، بل وكثير من النفقات يختص بهاالرجال، ويتميزون عن النساء. (6) "
ولعلّ هذا سر قوله: (( وَبِمَا أَنفَقُواْ ) )وحذف المفعول، ليدلّ على عموم النفقة، فعلم من هذا كله أنَّ الرجل كالوالي والسيد لامرأته، وهي عنده عانية أسيرة، فوظيفته أن يقوم بما استرعاه الله به..."اهـ."
وبعد هذا التتبع والاستقراء، نستنبط من كلام هؤلاء العلماء سبب قوامة الرجل على المرأة:
1ـ كمال عقل الرجل وتمييزه.
2ـ كمال دينه كله ؛فطبيعة التي خلق عليها جعلت تكليفه أكثر من المرأة .
3ـ إعطاء المرأة صداقها ومهرها، والنفقة عليها.
4ـ أن الرجال عادة يكون منهم الأنبياء والرسل والخلفاء والغزاة والأمراء.
5ـ أنَّ الرجل بطبيعته أقوى من المرأة قوة بدنية،ونفسية، فهو يتحمَّل المشاق والمتاعب والأعباء.
وهنا سؤال قد يتبادر إلى الذهن وهو هل تعني القوامة إلغاء شخصية المرأة؟