كل كتاباتي صعبة، ومن الصعب القول إنها خيال. ما يعجبني هو السرد. أشعر بأني راوٍ، أتلقى وآخذ لأعطي. هناك ذهاب وإياب. أسمع صوتاً وأحوله إلى أصوات متعددة عبر فعل الإبداع في شكل رواية وفي كتب تجمع ما بين كل الأساليب والأجناس، أحاول خلق جنس مركب غير التصنيفات التقليدية يجمع بين النص، الرواية، الشعر، السرد اليومي، أحاول طرح رسالة كاملة لاعتقادي بأن هذا التركيب يعبر عن اللغة الإنسانية.
لا حدود فاصلة بين الصحافة والأدب. الأدب مجموعة من الرسائل التي ينتجها مجتمع ما في شكل معين. الصحفي المتمرس يستطيع أن يبلغ مستوى رفيعاً من الأدب، كما يتبين ذلك في العديد من الأمثلة كخوصي هارفي وكارلوس كيخاتو وردوولفو والش.
كنت دائماً أرى نفسي صحفياً ولست مستعداً للتخلي عن المهنة، لأنه عندما يدخل المرء في العالم العجيب للتحرير لا يستطيع أحد إخراجه منه، فالصحافة لها فضائلها وميزاتها: تعامل الاختصار. وترغمك على التركيب وهو أمر مهم لشخص يود كتابة ركام من الأشياء. ترغمك على الخروج من عالمك الصغير إلى الواقع الرحب لترقص رقصة الآخرين وتستمع لهم، كما إن لها مساوئ: فالأولوية للسرعة دائماً وفي أحيان كثيرة أذهب طويلاً مع كلمة أو عبارة وأمضي ثلاث ساعات بحثاً عن أخرى، وهذا ترف لا تستطيع الصحافة منحه لي.
عن الحلم واليقظة:
هدفي هو محاولة إخراج الواقع المقنع الذي نراه ولا نستطيع فهمه في الوقت نفسه. إنه واقع اليقظة والحلم، واقع كاذب وأحياناً كذَّاب. وأيضاً حامل لحقائق عدة نادراً ما يلتفت إليها. ليست هناك وصفة سحرية لتغيير هذا الواقع. ولتغييره يجب أن نتعلم أولاً طرق تحمله، وهذا هو المشكل. فنحن عميان لأننا تعودنا أن نرى بعيون الآخرين دائماً، لقد حولتنا مرآة العولمة إلى بقعة زئبق. مجرد بقعة.
عن كرة القدم:
الكل يولد في هذا البلد وهو يصيح: هدف. ولهذا هناك دائماً ضجيج في دور الولادة. أردت في الماضي أن أصبح لاعب كرة القدم كما هو شأن كل الأطفال في الأورغواي، لعبت في الثامنة من العمر وكنت لاعباً سيئاً لاصطدامي بحظي العاثر، فأنا والكرة لم نستطع التفاهم. كانت هناك حالة حب من طرف واحد، وأيضاً مأساة من جانب آخر، عندما يقوم أحد المنافسين بحركة جميلة كنت أهنئه وهو ذنب لا يغتفر في قواعد كرة القدم الحديثة والمعولمة.
ــــــــــــــــــــــــــ
الهوامش:
* يُعَدُّ الكاتب إدواردو غاليانو من الأورغواي أحد أبرز الأصوات المضادة للتيار العام والسائد بأمريكا الشمالية خاصة كما يحلو للاتينيين تسمية الولايات المتحدة به حتى لا يصادر حقهم في قارة يتم غالباً اختزالها في الولايات المتحدة، وله العديد من الأعمال المترجمة سواء الأدبية منها أو السياسية، نذكر منها: العروق المفتوحة لأمريكا اللاتينية (1971) ، ثلاثية ذاكرة النار (1982) ، وقد حصل كتابه هذا على جائزة الكتاب من جامعة واشنطن سنة 1989 ومن وزارة الثقافة بالأورغواي، كما يساند إدواردو غاليانو الحركات المناهضة للعولمة بحضوره الفكري ومشاركته في مجلات عالمية وجرائد مثل لوموند ديبلوماتيك.