بيانات مؤسسة «جالوب» الأمريكية الشهيرة لاستطلاع الرأي عضدت أيضاً المشروع، فقد أجرت المؤسسة استطلاعاً واسعاً للرأي في تسع دول غالبيتها من المسلمين؛ عن مواقف الجماهير حيال السياسة الأمريكية، وكانت النتيجة هي رصد مشاعر عداء متصاعدة بين شعوب هذه الدول ضد الولايات المتحدة.. وهنا يؤكد السيناتور كيندي: «إننا سنعرض أنفسنا للخطر إن نحن تجاهلنا هذه المشاعر. أما إن حاولنا علاج المشكلة عبر تعليم القيم الأمريكية لطلبة العالم الإسلامي؛ فستكون أمامنا فرصة على المدى البعيد لتغيير المواقف السلبية، وهذه عملية طويلة، لقد علَّمنا الحادي عشر من سبتمبر أن علينا أن نبدأها الآن» !
وقد كانت الشهادة التي أدلى بها طالب مصري ـ حائز على منحة «فولبرايت» للتعليم بالولايات المتحدة ـ على خطورة ما يجري في الجامعات المصرية ضمن دفاعات مقدمي المشروع للمطالبة بالموافقة على مشروعهم.
فقد أفاد الطالب المصري في مقال نشرته له الواشنطن بوست في 20/1/2002م بأن جامعته المصرية أرض خصبة للباحثين عن أعضاء جدد يضمونهم إلى المنظمات الإرهابية أو المتطرفة!!
ولذا يشدد كيندي قائلاً: «التحدي الذي يواجهنا هو منح الطلاب فرصة للتعرف على جميع أوجه الحياة العائلية الأمريكية، وفهم قيمنا قبل أن يصلوا إلى تلك الدرجة» (الانضمام إلى الجماعات الإرهابية.. في زعمهم!) .
أما وزارة الخارجية صاحبة الخبرة الطويلة في الإشراف على مثل هذه المشاريع فهي أشد حماساً له، وزير الخارجية كولن باول كان واضحاً في ذلك؛ ففي بيان ألقاه في أغسطس من عام 2001م حول «أسبوع التعليم» قال: «لا أستطيع التفكير بشيء أنفع لبلدنا من صداقة زعماء العالم المستقبليين (القادمين) الذين تلقوا دراساتهم هنا» .
وتدير وزارة الخارجية حالياً العديد من برامج التبادل الثقافي والطلابي الناجحة لطلاب الجامعات والمرحلة الثانوية، مثل برنامج «تبادل قادة المستقبل» أو «فيلكس» ، وهو البرنامج الذي يتم بمقتضاه سنوياً إحضار حوالي ألف طالب ـ تتراوح أعمارهم بين الخامسة عشرة والثامنة عشرة ـ من الدول حديثة الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي المنفك، إلى الولايات المتحدة للدراسة في مدرسة ثانوية لمدة عام، والإقامة مع عائلة أمريكية خلال ذلك العام، ومن بين هذه الدول ست دول غالبيتها العظمى من المسلمين، وهي: أذربيجان ـ كازاخستان ـ قيرغيزستان ـ طاجيكستان ـ تركمانستان ـ أوزبكستان.
تقول نتائج هذا البرنامج إنه بالغ التأثير في صياغة مواقف الطلبة الذين وقع عليهم الاختيار.
وتشير دراسة أجرتها الحكومة الأمريكية عام 1998م، قارنت فيها بين الطلبة الذين اشتركوا في البرنامج وغيرهم من زملائهم الذين لم يشتركوا، قائلة: «إن الشبان الذين اشتركوا أكثر انفتاحاً وتقبلاً للقيم الغربية والمثل الديمقراطية، كما أن هناك احتمالاً أكبر في أنهم يتطلعون إلى ممارسة دور قيادي في مجتمعهم» .
وبناءً على النجاح الذي يحققه مشروع «فيلكس» يؤكد مقدمو المشروع الجديد أنهم صاغوا مشروعهم على نهجه.
وقد حصل مقدمو المشروع على دعم العديد من المؤسسات المعنية المهمة وموافقتها داخل الولايات المتحدة، وفي مقدمتها: رابطة التبادل الطلابي والثقافي الدولية، وأكاديمية التنمية التعليمية، والمجالس الأمريكية للتعليم الدولي، والمعهد الأمريكي للدراسة في الخارج، والمجلس القومي للزوار الدوليين، ومؤسسات المدن الشقيقة الدولية، والتعليم العالمي، ومجموعة الدراسة العالمية.
ولم يكتف السيناتور كيندي وهو يقدم مشروعه بهذا التأييد غير المسبوق في الداخل، وإنما لفت الانتباه لتأييد آخر في العالم الإسلامي يمكن أن يسهم بقوة في نجاح المشروع، فقد أشار إلى تأييد كثير من الدول الإسلامية للولايات المتحدة في حربها ضد ما تسميه بالإرهاب، وذكّر أعضاء المجلس بالآية القرآنية الكريمة: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا} [الحجرات: 13] ، ولم يكمل الآية: {إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، وانطلق من الكلمات التي ذكرها من الآية إلى اعتبارها مدخلاً جيداً لتسويق مشروعه دون مشاكل داخل العالم الإسلامي، فالآية ـ في رأيه ـ تدعو إلى التعارف ومد الجسور، والمشروع كذلك: «من شأنه بناء جسور توعية وتفاهم وتسامح بين الثقافات، ويساعد في جعل الشعب الأمريكي وشعوب العالم الإسلامي يفهم كل منهم الآخر حقاً.. » .
وهناك نقطة جديرة بالتسجيل هنا؛ وهي أن البيانات السالفة الذكر لم أطلع عليها في مطبوعة معارضة للسياسات الأمريكية مثلاً، وإنما مصدرها هو مصدر أمريكي رسمي، فقد وردت معظمها في «نشرة واشنطن العربية» (إصدار يوم 15/5/2002م) التي تصدرها وزارة الخارجية الأمريكية بصورة شبه يومية!
وهكذا.. بدأت الولايات المتحدة التحرك للإجابة عن السؤال الكبير المطروح منذ تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر: لماذا يكرهنا العالم؟ أو بالأحرى: لماذا يكرهنا المسلمون؟