وكان ديك آرمي رئيس الأغلبية من الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي قد أثار عاصفة عندما انشقّ عن صف بوش بقوله إن الولايات المتحدة ليس من شأنها شن هجوم على العراق دون سبب كافٍ، وقد انضم كارل لفين عضو مجلس الشيوخ عن الحزب الديمقراطي ورئيس لجنة القوات المسلحة فيه إلى آرمي باعتراضه على شنّ هجوم على العراق بغير مسوغ وبقوله لمحطة إن. بي. سي التلفزيونية إن صدام لا يشكل خطراً كبيراً على الولايات المتحدة.
لكن لوجار الذي يحتل مكاناً بارزاً في لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ قال إن بوش بوسعه إيجاد المسوغ لضرب العراق على الرغم من أن الإدارة الأمريكية لم تتوصل إلى هذا بعد، وأضاف في مقابلة مع محطة سي. بي. إس التلفزيونية يتعين على الرئيس أن يتخذ حجة في هذه الحالة بالتحديد بأن انتظار حدوث استفزاز يُعدّ بمثابة دعوة لكارثة هائلة، مشيراً إلى أن هناك معلومات كافية عن القدرات الكيماوية والبيولوجية للعراق بما يسوغ إطاحة طاغية بوسعه استخدامها.. قبل أن تستخدم.. وتخميني أن هذا هو السبب الذي ستستند إليه الحرب في نهاية الأمر.
وقالت كاي بيلي هتشنسون وهي من الأعضاء الجمهوريين أيضاً بمجلس الشيوخ إن بوش أوضح بما يكفي أننا لا نستطيع انتظار أن يطلق صدام سلاحاً للدمار الشامل على أحد جيرانه أو على قوات أمريكية.. علينا توجيه ضربة وقائية، مضيفة لمحطة سي. إن. إن التلفزيونية: هذا إجراء يمثل سابقة للولايات المتحدة في أن تشنّ هجوماً بهدف الدفاع.
وقال تومبسون عضو مجلس الشيوخ عن ولاية تنيسي وعضو لجنة المخابرات بالمجلس: إن الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة على الإرهاب والتي شنها بوش رداً على الهجمات التي وقعت في نيويورك وواشنطن، وأسفرت عن مقتل ثلاثة آلاف شخص تتضمن منع مثل تلك الهجمات قبل وقوعها، وأضاف لمحطة فوكس التلفزيونية: يتعين أن يكون جزء مما نفعله هجومياً، وعندما نعلم أن هناك شخصاً مثل صدام الذي أظهر قدرته في الماضي على استخدام أي شيء في حوزته.. نحن نعلم أن لديه أسلحة بيولوجية، ونعلم أن لديه أسلحة كيماوية ونعلم بغير شك أنه يعمل لتطوير أسلحة نووية.. بعد أن تتوافر لدينا معلومات بأن لديه القدرة خاصة النووية؛ فعلينا مسؤولية التعامل مع هذا بصورة جدية، ويبدو لي أنه سيكون علينا في نهاية الأمر أن ندخل العراق، ونفعل شيئاً بهذا الشأن.
وهكذا فوجئ العالم بأن المؤسسة السياسية الأمريكية بشقيها التنفيذي والتشريعي أصبحت تنظر بمقياس استراتيجي واحد يتمثل في الضربات الوقائية.
ولكن ما الذي حمل أمريكا على اتخاذ تلك الاستراتيجية الجديدة؟
منذ انتهاء الحرب الباردة سادت توقعات كثيرة بأن يدخل الأمن سياق العولمة بعد العولمة الاقتصادية والتقنية والعولمة في بعدها العسكري والسياسي، وسبب هذا الاعتقاد أنه لا يوجد نظام اقتصادي محلي أو عالمي يمكن أن يعمل دون حماية قوة عسكرية وقوة سياسية تقوده ومناخ آمن؛ لذا فإن طرح العنصر الأمني أو ما يعرف بالضربات الوقائية أصبح ضرورة ليكتمل مشروع العولمة مع أدواته الأخرى السياسية والعسكرية، التكنولوجية والمعلوماتية، الاقتصادية، والاتصالات.
وجاءت أحداث 11 سبتمبر واحتشدت جميع الدول تقريباً في العالم لمساندة أمريكا، ولكن بتراجع التأييد للولايات المتحدة بعد أن خفتت الدعوات للانتقام الذي قادته الأخيرة ضد ما أسمته بالإرهاب، وحيث أفرزت الحرب ضد الإرهاب في مرحلتها الأولى آثاراً سياسية خطيرة انعكست على واقع النظام الدولي مخلفة خيبات أمل على جانبي هذه الحرب، سواء كانت في الجانب الأميركي أم في الجانب الدولي المقابل. ويبدو واضحاً أن الأمريكيين لم يحققوا الشيء الكبير الذي شمله إعلانهم هذه الحرب، فلا هم استطاعوا القضاء على تنظيم القاعدة، ولا هم استطاعوا فرض الاستقرار في القلب الآسيوي المشتعل والذي كان في الثمانينيات ساحة صراع بينهم وبين السوفييت ونعني هنا أفغانستان.
ولذلك سعى جورج بوش الرئيس الأميركي بإطلاق ما أسماه بسياسة جديدة واستراتيجية عسكرية تستند إلى تحرك عسكري وقائي بهدف منع أي تهديد بالإرهاب أو تدمير الدول الأعداء لأميركا وسياساتها.
وفي حملة دعائية كبيرة هدفت لحرف الانتباه عن القضية الفلسطينية وإعادة التركيز على حرب أميركا ضد العراق والدول التي أسمتها الولايات المتحدة بالمارقة، تم التسويق لهذه الاستراتيجية الجديدة، ونسبت إلى جورج بوش الرئيس الأميركي الذي أشار في أكثر من مرة إلى أنه يريد وضع نظام أمني جديد يتناسب مع مكانة الولايات المتحدة الجديدة وعالمها الجديد بمتغيراته التي تفترض وجود من يهدد الأمة الأميركية كما يقول بوش.
(*) أثر هذه الاستراتيجية على الموقف الدولي:
أخطر ما في هذه الاستراتيجية الجديدة أنها استبدلت مفهوم التسوية بمفهوم القوة، ومفهوم العدالة بمفهوم الحصار، وأباحت لنفسها تدمير الآخر بحجة أنه يشكل خطراً قد يكون واقعاً وقد لا يكون.