«إن التغيير الذي حدث في تاريخ العالم بعد عام 1500م لم يكن له سابقة. لم يحدث من قبل ذلك أبداً أن انتشرت حضارة واحدة في أرجاء الأرض كلها؛ فمنذ أقدم مسارح ما قبل التاريخ المشاهدة كان الميل دائماً نحو التنوع. أما الآن فإن التيار الثقافي بدأ يتحول. إن جوهر ما كان يحدث كان بادياً حتى منذ أواخر القرن الثامن عشر. فالأمم الأوروبية ـ بما فيها روسيا ـ كانت في ذلك الوقت قد ادعت لنفسها أكثر من نصف سطح الأرض، وكانت ـ بدرجات متفاوتة ـ قد سيطرت بالفعل على ما يقرب من ثلثه. ففي غرب الكرة الأرضية كانوا قد ازدرعوا جماعات مستوطنة تكفي بأعدادها الكبيرة لإنشاء مراكز حضارية جديدة؛ فقد خرجت أمة جديدة من المقاطعات البريطانية السابقة في أمريكا الشمالية، وفي الجنوب استطاع الأسبان أن يحطموا حضارتين ناضجتين ليغرسوا حضارتهم» (3) .
ثم يذكر أنه كان هنالك في ذلك التاريخ ما يقرب من عشرين ألف هولندي في جنوب أفريقيا، وأن أستراليا كانت قد بدأت تستقبل مستوطنيها الجدد. وأن الزائر الأوروبي لشرق أفريقيا وإيران والهند وأندونيسيا كان سيجد فيها أوروبيين جاؤوا ليتاجروا ثم ليرجعوا إلى بلادهم في المدى القريب أو البعيد ليستمتعوا بالأرباح التي حققوها.
في النصف الثاني من القرن التاسع عشر كان الاستعمار الغربي قد شمل أفريقيا كلها، وأحكم سيطرته على شبه القارة الهندية وبقية آسيا. وفي أوائل القرن العشرين أخضع الشرق الأوسط كله ـ عدا تركيا ـ لسيطرته المباشرة، ومع نهاية عام 1920م كانت الإمبراطورية العثمانية قد قسمت بين بريطانيا وفرنسا وإيطاليا. في غضون هذا التوسع قضى الغرب قضاءً كاملاً على حضارتي (Meso ame r ican) و (Andean) ، وأخضعت الحضارات الهندية والإسلامية وأخضعت أفريقيا. وتوغل في الصين وجعلت تابعة للنفوذ الغربي لمدة أربعمئة عام تمثلت العلاقة بين الحضارات في خضوع المجتمعات غير الغربية للحضارة الغربية (4) .
ذلك ما كان حتى عام 1920م؛ فماذا حدث بعده؟ استمر الغرب في تفوقه التقني واستمر في تأثيره الكبير على كل مجتمعات العالم لا سيما بعد الطفرة التي حدثت في تقنية الاتصالات والانتقال والتي زادت في إمكانية العولمة.
تتمثل هذه الهيمنة الغربية الآن ـ كما لخصها كاتب أمريكي ـ في أن الأمم الغربية:
-تملك وتدير النظام المصرفي العالمي.
-وتسيطر على كل أنواع العملة الصعبة.
-وأنها هي الزبون العالمي الأول.
-وأنها هي التي توفر للعالم معظم بضائعه الجاهزة.
-وأنها تسيطر على أسواق الرأسمال العالمية.
-وأنها تمارس قدراً كبيراً من القيادة الأدبية في كثير من المجتمعات.
-وأن لها قدرة على التدخل العسكري العظيم.
-وأنها تسيطر على المضايق البحرية.
-وأنها تقوم بمعظم البحوث والتطوير للتقنية المتقدمة.
-وأنها المتحكمة في التعليم التقني الفائق.
-والمهيمنة على المدخل إلى الفضاء.
-وعلى صناعة الطيران.
-وعلى وسائل الاتصال العالمية.
-وعلى التقنية العالية لصناعة الأسلحة (1) .
العولمة لم تكن ـ كما كان يرجى لها إذن ـ أن تسود في العالم ثقافة إنسانية تناسب كل الناس وتساعد على تعاونهم وتطورهم والاستفادة من خيرات بعضهم بعضاً. بل كادت العولمة وكاد التحديث أن يكون تغريباً بسبب هذا التفوق الغربي وعدم تسامح حضارته مع الحضارات الأخرى.
إلى متى سيستمر هذا التفوق وهذه الهيمنة الغربية؟
يرى كثير من المفكرين الغربيين أنها لن تستمر طويلاً ـ على الأقل بهذا القدر الكبير. لماذا؟ هذا موضوع كبير لا يسعنا هنا إلا أن نشير إليه مجرد إشارات، فنقول:
1 -لأن سبب تلك القوة لم يكن لمجرد أسباب داخلية في الحضارة الغربية، وإنما كان أيضاً لظروف خارجية مواتية. أما الآن فإن ظروفاً خارجية أخرى لا قِبَلَ للغرب بتغييرها جعلته يضعف ضعفاً نسبياً للازدياد النسبي في القوة الاقتصادية والتقنية لبلاد غير غربية.
2 -يزداد تقديرنا لأهمية هذا الضعف النسبي للقوة المادية للدول الغربية إذا ما تذكرنا ما يقوله كثير من مفكريها بأن السبب الأساس لسيطرتها لم يكن قيماً ولا فكراً ولا ديناً وإنما كان هذه القوة. يقرر هنتنجتون هذه الحقيقة في صراحة عجيبة إذ يقول: لم يغلب الغرب العالم بتفوق في أفكاره أو قيمه أو دينه (الذي لم تعتنقه إلا قلة من أبناء الحضارات الأخرى) وإنما غلب بتفوقه في العنف المنظم. إن الغربيين كثيراً ما ينسون هذه الحقيقة، لكن غير الغربيين لا ينسونها أبداً (2) .
بيد أننا يمكن أن نستدرك على هنتنجتون ومن يرى رأيه بأن الغرب وإن لم يكن في نفس الأمر متفوقاً في تلك المجالات إلا أن أهله كانوا يعتقدون فيه هذا التفوق، وأن هذا الاعتقاد الباطل كان دافعهم، مع الدوافع الاقتصادية للخروج لغزو العالم كما ذكرنا سابقاً.