فهرس الكتاب
إن تبني الأهداف وقبول الالتزامات التي حددتها الوثيقة التي تم التوقيع عليها في مؤتمر استنبول يعني التمكين لما يعرف في مجال الدراسات الاقتصادية (بعولمة الاقتصاد) تحت قيادة صندوق النقد الدولي والمؤسسات التابعة له.
وظاهرة (العولمة) التي أخذت في الازدياد في الفترة الأخيرة لها خطورتها على النمو الاقتصادي والحضاري والثقافي للمجتمعات المتخلفة، وبخاصة المجتمعات الإسلامية؛ حيث يتوفر في بلاد المسلمين مصادر الثروات الطبيعية؛ مما يدفع إلى الاستحواذ عليها من قبل الرأسمالية اليهودية العلمانية.
إن أهم مظاهر عولمة الاقتصاد هي: زيادة نمو الشركات المتعددة الجنسية، ومؤسسات الإنتاج الدولية الطابع والعالمية النشاط، وقد أدى هذا الأمر إلى التشابك بين مؤسسات الإنتاج على الصعيد القطري والإقليمي، واتجاه الشركات القطرية إلى توسيع رقعة أنشطتها لتخرج به خارج الحدود الوطنية أو القومية وصولا إلى المستوى الكوني، والشكل الذي تأخذه العولمة هو قيام المؤسسات الضخمة بمد نشاطها خارج حدودها الوطنية وإنشاء فروع شبه مستقلة ولكنها تابعة لها في بلدان الدول المتخلفة، أو تحويل الكيانات القائمة للشركات القومية؛ لتُكوّن فروعاً لها وتوابع لنشاطها.
لتتضح أبعاد ظاهرة العولمة الاقتصادية أو ما يمكن تسميته بظاهرة الرأسمالية متعددة الجنسية التي تجمع لديها عناصر القوة الاقتصادية، وما يمكن أن توظفه من قوة سياسية أو تمارسه من ضغوط على الدول المتخلفة غير القادرة على التعامل بندية مع هذه الكيانات العملاقة، فالإحصاءات توضح مدى خطورة هذا التمركز الرأسمالي... فإذا عرفنا أن إيرادات أكبر خمسمئة شركة في العالم بلغ في عام 1994م نحو عشرة تريليون ومئتين وأربع وخمسين بليون دولار، وإذا تم مقارنة ذلك بمجموع الناتج المحلي الاجمالي لدول العالم في سنة 1993م (الذي كان أكثر قليلاً من ثلاثة وعشرين تريليون دولار) ، أدركنا مدى خطورة تركز الأموال لدى الرأسمالية العالمية.
إن السؤال الذي يبرز هنا هو: لماذا تتجه الرأسمالية اليهودية في نقل وتركيز بعض عمليات الإنتاج في الدول المتخلفة؟.. وإن الهدف الحقيقي هو البحث عن أعلى معدلات للربح، وهو هدف سهل يمكن تحقيقه بعد أن قامت الرأسمالية اليهودية بالدفع إلى تبني السياسات الليبرالية بعد سقوط الاتحاد السوفييتي وفشل الفكر الاشتراكي في تحقيق النمو الاقتصادي للدول التي تبنته.
ومن هنا: نجد أن القوى الرأسمالية من خلال مؤسسات الأمم المتحدة المالية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وتوابعهما) وبعد أن تزعمت الولايات المتحدة العالم؛ أخذت بالدعوة إلى تبني أساليبها الاقتصادية، حيث أصبح تبني هذه السياسة بدون نظر لمحاذيرها هو التوجه لدى دول العالم المتخلف وبخاصة دول العالم الإسلامي، فقد أخذ البنك الدولي بتوجيه من الولايات المتحدة بإجبار دول العالم الإسلامي إلى إعادة هيكلة اقتصادياتها على ضوء هذه السياسة الليبرالية، فاتجهت لخارج دولها لجذب رأس المال الأجنبي، وتبني مفهوم القطاع الخاص من خلال استخدام آليات السوق وما يتطلبه ذلك من تحجيم واضح في الملكية العامة، وتدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وهذا ما تتبناه وثيقة استنبول لحل مشكلة الإيواء.
إن عولمة الاقتصاد الذي تُطالب به الأمم المتحدة برئاسة الولايات المتحدة حيث يحل مشروع أممية رأس المال بدلاً من أممية البروليتاريا، فما يحصل الآن من أساليب إجرائية متعددة الأشكال لحل مشاكل اجتماعية واقتصادية هو تمكين لمراكز النظام الرأسمالي من إعادة احتواء دول العالم المتخلفة وإعادة امتصاص قواها، طبقاً لمنطق تراكم رأس المال في تلك المراكز.
إن آليات السوق الذي تقوم عليه الفكرة الأساس للرأسمالية: أن من لا يستطيع كسب قوته يجب أن يموت، فهناك في الغرب فلاسفة ممن يقول: إن المليار من فقراء العالم الثالث، بل وفقراء الدول الصناعية كانوا زائدين عن الحاجة، وبالتالي: فلا مبرر لوجودهم ولا حاجة إليهم، ضمن مفهوم فلسفة البقاء للأصلح!، ولذا: تجد الدعوة المستمرة لتغيير مفهوم الأسرة، والدعوة إلى الإجهاض وقتل العجزة.. وغير ذلك من الدعوات غير الأخلاقية وغير الإنسانية، وما هي إلا نتيجة العبثية الرأسمالية العلمانية.
إن المخرج من هذا الفخ الذي نصبته الرأسمالية اليهودية هو قدره العالم الإسلامي في اتخاذ قراره السياسي المستقل، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلا إذا طرح الفكر العلماني ونبذه من مناهجه وتوجهاته، وتبنى الفكر العقائدي الإسلامي وما يحتويه من سلوكيات وقيم ونظم وتشريعات لتحقيق سعادة الانسان الدنيوية والأخروية (( وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ) ) [الأعراف: 96] . (*)
الهوامش:
* تأجلت الحلقة الثالثة من دراسة الكاتب الكريم د/ محمد الشباني عن (الربا والأدوات النقدية المعاصرة) وذلك لتواكب المجلة المؤتمر مدار البحث، وموعدنا مع الحلقة المؤجلة في العدد القادم إن شاء الله