فهرس الكتاب

الصفحة 3660 من 27364

في الإسلام ووفق أصوله ومبادئه الكلية يعتبر الأمن من أجل النعم على الإنسان: أمن الفرد على نفسه ودينه وعرضه وماله، وانتفاء الخوف من العدوان على ضروريات حياته وحاجياتها. وفي القرآن الكريم بيان أهمية الأمن وأنه نعمة من الله تقرن بنعمة الطعام الذي يحفظ حياة الإنسان، وأن النعمتين معاً تستوجبان عبادته وحده لا شريك له. يقول الله تبارك وتعالى: (فليعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف) (قريش، 3) ويحرم الله العدوان على النفس الإنسانية، ويجعل القتل العمد من أشد الجرائم إثماً وبغياً، ويبين أن قتل فرد واحد بمثابة قتل للجنس البشري كله، يقول تعالى: (أنه من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً) (المائدة، 32) . ويحفظ الشرع الإسلامي حرمة الجسد الإنساني، فلا يجوز العدوان عليه ولا إتلافه ولا استخدامه في غير ما شرع له، وهو العبادة والسعي في الأرض بعمل الخير. ويحفظ الشرع الإسلامي نفس الإنسان وجسده ويكفل حماية عقله ودينه وعرضه وماله بما فيه من عقوبات زاجرة عن العدوان على هذه الضروريات في حياة الإنسان - جسداً وديناً وعقلاً ونفساً - في شريعة القصاص وفي الحدود التي تواجه جرائم الاعتداء على الدين والنفس والعرض والمال والشرف والاعتبار.

فالإرهاب إذًا عدو الأمن -أمن الفرد وأمن المجتمع- وعدوان على نعمة من نعم الله الجليلة على الإنسان، وهو إذا ظهر في مجتمع عطل طاقاته وأسلمه إلى التخلف، لأن الخائف لا يأمن إذا عمل أن يضيع عمله هباءًا فالأمن لازم لتقدم المجتمعالمسلم في دينه ودنياه.

لقد كانت الفتنة الكبرى في التاريخ الإسلامي بسبب الإرهاب، وأول المجتمعات التي عانت من الإرهاب هو المجتمع المسلم بالذات، قتل ثاني الخلفاء الراشدين عمر بن الخطاب غيلة وغدراً على يد مجوسي حاقد على الإسلام والمسلمين، وقتل الخليفة الثالث عثمان رضي الله عنه على يد فئة خرجت على الشرع الإسلامي وانتهكت محارمه بقتل إمام المسلمين وصاحب رسول ا صلى الله عليه وسلم وأحد العشرة الذين بشرهم الرسو صلى الله عليه وسلم بالجنة، واقتتل المسلمون مع الخوارج الذين ناصبوا الخليفة علي بن أبي طالب العداء على الرغم من محاولته نصحهم وهدايتهم إلى الحق، وقتل هؤلاء الخوارج الإمام علياً وأوغلوا في دماء المسلمين، فكانت الفتنة الكبرى التي بدأت في القرن الأول الهجري ومازالت آثارها في العالم الإسلامي حتى اليوم، صنعها الخوارج وغذاها أعداء الإسلام والمسلمين خلال مسيرة التاريخ الإسلامي، حتى تفرقت الأمة الواحدة إلى شيع وأحزاب كلهم على ضلال إلا الفرقة الناجية التي تسير على ما كان عليه الرسول وأصحابه خيار السلف في هذه الأمة.

إن الإرهاب - وهو مرفوض في الإسلام رفضاً حاسماً - ينتسب من يمارسونه أحياناً إلى الإسلام، بل يتظاهرون بالغيرة على الدين وعلى حقوق المسلمين، وقد يتجاوزون الحد في اتهام المسلمين أفرادًا وجماعات بالمروق من الدين ويستحلون دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وهكذا فعل أجدادهم من الخوارج حين اتهموا عليا رضي الله عنه بالخروج من الدين واستحلوا قتل إمام المسلمين بعد أن بايعه الناس، وبذلك وجهوا إرهابهم إلى المسلمين كافة وإلى أئمتهم خاصة. ولقد قاتلهم إمام المسلمين ليحفظ أمن المجتمع وحياة المسلمين حتى قضى على فلولهم، وهذا واجب كل إمام مسلم، لا سيما في هذا العصر الذي ينسب فيه غير المسلمين كل إرهاب وإخلال بأمن المجتمعات إلى فعل المسلمين أو توجيهات الإسلام، مع أن الشرع الإسلامي وتوجيهاته هي أقوم السبل في مواجهة جرائم الإرهاب.

لقد حفظ الإسلام أمن المجتمع المسلم إزاء المجتمعات الأخرى، فلم يشرع القتال إلا دفاعاً عن الدين والنفس وحفظ المجتمع من الفتنة، وأمر بطاعة أولي الأمر (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء، 59) . ولا يجوز في الإسلام أن تخرج طائفة من الناس على أمن المجتمع وتهدد استقراره أو تنزع يدها من بيعة توجب الطاعة، بل لقد أمر الرسول صلوات الله عليه وسلامه بالطاعة حتى ولو ظهر في المجتمع ما يعد منكراً، ما دام يجري التصدي له بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من العلماء والأمراء، أو بإنكار عامة الناس، وما دام المجتمع المسلم يتمتع بحقه في عبادة الله وحده، وتظهر فيه شعائر الإسلام، ويوجد فيه الحاكم المسلم الذي يحفظ الدين ويحمي أرض الإسلام ومصالح المسلمين، فلا خروج عن الطاعة من الفرد أو طائفة من الناس تروع الآمنين وتنشر الخوف والفزع بين المؤمنين. لقد ذكر الله الخارجين عن الطاعة، وجعلهم محاربين لله ورسوله، وحدد عقوبتهم بخسرانهم في دينهم ودنياهم. يقول تعالى: (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم) (المائدة، 33) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت