فهرس الكتاب

الصفحة 3773 من 27364

وبدورها عانت سياسات صندوق النقد الدولي من مشاكلها الذاتية، فالأزمات الاقتصادية العنيفة التي أصابت اقتصاديات دول جنوب شرق آسيا في النصف الثاني من التسعينيات جاءت لتبدد وهم أن سياسات الصندوق هي دواء فعال لا بديل له على مرارته لحل مشاكل الدول النامية وشفائها من كافة الأمراض. فدول جنوب شرق آسيا (مثل تايوان وكوريا الجنوبية والفلبين) والتي كان يطلق عليها اسم"النمور الآسيوية"كانت النموذج الناجح الذي يقدمه دعاة الليبرالية الجديدة كدليل على صحة سياساتهم، وبالتالي جاءت أزمتها (انهيار العملة وتكدس المنتجات وزيادة البطالة) لتبث هشاشة المنظومة الاقتصادية بكاملها.

سياتل وميلاد حركة مناهضة العولمة

ورغم تلك الأزمة، وأزمة مثيلة سبقتها في المكسيك عام 95، استمرت الدعاية لسياسات الصندوق على أنها السبيل الوحيد وشر لا بد منه، وأن أي معارضة لتلك السياسات هي من قبيل الجنون والرعونة.

وعلى خلفية هذا المشهد المتأزم بين ضغوط النظام العالمي الجديد ومعاناة فئات واسعة منه كان اندلاع حركة مناهضة العولمة الرأسمالية التي لا تمثل الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب سوى الفقر والمهانة، والمرض والبطالة؛ فالأغنياء يزدادون غنى والفقراء يزدادون فقرًا بشكل غير مسبوق في التاريخ.

وفي سياتل بالولايات المتحدة الأمريكية في نوفمبر 1999 كان الميلاد الرسمي للحركة، فهناك اجتمع الآلاف من البشر من اتجاهات سياسية متعددة؛ اشتراكيين وفوضويين وشيوعيين وعمال نقابيين وجمعيات مسيحية، ونشطاء من مختلف الحركات والأهداف، ومدافعين عن البيئة وعن حقوق المرأة، ومن حركة الحقوق المدنية السود ومن مناهضي العنصرية.. للاحتجاج على اجتماع منظمة التجارة العالمية المنعقد هناك آنذاك.

وما بدا للوهلة الأولى كاحتجاج رمزي تحول إلى مظاهرات حاشدة استمرت لعدة أيام وأدت لإلغاء اجتماع منظمة التجارة، وصار هناك صوت مدو لمطالب كانت تقال بالأمس همسا، وبرز شعار"نحو عالم أفضل ممكن" (anothe r wo r ld is possible) . وقد فاجأ حجم المشاركة الجميع بمن فيهم المنظمين أنفسهم، ومنذ ذلك الحين وجد العديد من الرافضين لسياسات الإفقار والهيمنة بؤرة لنشاطهم وصوتا لغضبهم.

وأصبحت اجتماعات ومؤتمرات المنظمات المالية الدولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التجارة ومنتدى دافوس، بل والمؤتمرات والقمم السياسية كالاتحاد الأوروبي والدول الصناعية السبع (الثمانية فيما بعد) .. بؤرة لنشاط الحركة الناشئة وكابوسا لقيادات العولمة وقادة الدول الكبرى.

واكتسبت الحركة الثقة وازدادت قوة بعد سياتل، وسجلت العديد من المدن أسماءها كانتصارات للحركة الجديدة، ملبورن ونيس وبراغ ودافوس وجونتبرج، كانت كلها مواقع أكدت أن سياتل لم تكن حدثا عارضا بل حركة طويلة النفس.

وفي جنوا في يوليو 2001 سقط كارلو جولياني أول شهيد لحركة مناهضة العولمة برصاص الشرطة الإيطالية وبعد العنف الشديد الذي واجهت به الدولة الإيطالية المظاهرات والاحتجاجات ضد قمة الدول الصناعية الثمانية (G8) ، وفي اليوم التالي خرجت مظاهرة ضمت ما يزيد عن 300 ألف لتؤكد أن مناضلي حركة مناهضة العولمة لن يهزموا بسهولة.

مناهضة العولمة والحرب والاستعمار بعد 11 سبتمبر

بعد 11 سبتمبر ساور العديدين الشك في قدرة حركة مناهضة العولمة على الاستمرار في وجه تفجر روح التعصب والرغبة في الانتقام الذي أطلقها جورج بوش وآلة الدعاية الأمريكية المهيمنة، وظن البعض أن روح"نحن"و"هم"ستنزع من الحركة طابعها التضامني وبالتالي ستقضي عليها، إلا أن الحركة بعد تردد وتراجع قصيرين استعادت المبادرة ولعبت دورًا أساسيًا في بناء حركة معارضة الحرب الأمريكية في أفغانستان، واليوم تطورت لتصبح حركة ضد العولمة وضد الإمبريالية (الهيمنة الاستعمارية) في العراق.

وكذلك تطورت الحركة لتصبح بؤرة للتضامن مع الانتفاضة الفلسطينية ومع نضال الفلسطينيين المشروع ضد الاحتلال الصهيوني. ففي نوفمبر 2001 شهدت لندن مظاهرة حاشدة قوامها 50 ألفًا ضد العدوان الأمريكي على شعب أفغانستان، وفي إبريل 2002 وفي أعقاب الاجتياح الإسرائيلي سارت مظاهرة من 100 ألف مؤيدة للحق الفلسطيني، في لندن وبعدها في واشنطن فيما وصف بأنه أكبر تحرك لدعم الحق الفلسطيني تشهده العاصمة الأمريكية.

كما شهدت فلورنس في نوفمبر 2002 مظاهرة شارك فيها ما يقرب من مليون متظاهر وتم تنظيمها على هامش المنتدى الاجتماعي الأوروبي، وهو مؤتمر واسع ومفتوح لحركة مناهضة العولمة شارك فيه 60 ألفا من كافة أنحاء العالم، وفي يناير 2003 شهدت مدينة بورتو أليجيري البرازيلية المنتدى الاجتماعي الموازي لقمة المنتدى الاقتصادي الدولي بدافوس (سويسرا) ، وفي حين كان في سويسرا 3 آلاف من الساسة ورجال الأعمال وممثلي الشركات عابرة القارات بلغ عدد المشاركين في بورتو أليجيري من مناهضي العولمة في نفس الفترة بالتوازي، ما يزيد على مائة ألف ناشط من كل أنحاء العالم. وبعد تصاعد الهستيريا الأمريكية ضد العراق شهدت العاصمة البريطانية أكبر مظاهرة ضد الحرب منذ 50 عاما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت