إن الإسلام جاء هداية للبشرية جمعاء، ولإخراجها من ظلمات الكفر والضلال والفتن والصراعات المقيتة إلى نور الهداية والاحترام المتبادل والتعايش السلمي بين الشعوب. وقد جاء دينا شاملا لكافة مجالات الحياة، رسالة جامعة للبشرية كلها، دونما إلغاء لخصوصياتها الذاتية، بل بإغنائها وتهذيبها من متعلقات الشرك والانحراف، وتقويمها ورسم أهداف سامية لها، إن موقف المسلم من العولمة ينبغي أن يكون موقفا متشبعا بهذه النظرة الإيمانية القوية ومسلحا بالتفاؤل وعاملا على خوض غمار العولمة بالوسائل التي يتيحها الدين الإسلامي الخاتم، وهي التحصين والتربية القوية والعلم والمعرفة، إذ من دون ذلك لم يكن المسلمون ليصمدوا في الماضي أمام الغزاة والمحتلين والمستعمرين، قبل أن يكون هناك ما يسمى بالعولمة.
فالعولمة ليست كائنا خرافيا تستحيل مواجهته، ولا آلة صماء لا يمكن تطويعها أو التعامل معها. إنها ظاهرة عالمية جديدة تطرح تحديات جديدة، وقد كان المسلمون باستمرار يجابهون الكثير من التحديات منذ أن ظهر الإسلام وأضاء نوره الكون، وكانت هذه التحديات بالنسبة لهم جديدة بمقاييس عصرهم وإمكاناتهم المتاحة، لكنها لم تكن مخيفة أو تعجيزية بالنظر إلى الشحنة الإيمانية القوية التي كانوا يخوضون بها لجج المعارك الحضارية الكبرى.
وربما كان جزء كبير من تخوف المسلمين اليوم من ظاهرة العولمة عائدا إلى أمرين أساسيين: الأمر الأول عدم العودة إلى تاريخنا الإسلامي العظيم وسجله الضخم وقراءته قراءة فاحصة وتدبر دروسه ومواعظه. والأمر الثاني انهيار المعنويات النفسية والشعورية والإيمانية للمسلمين، حتى كاد العالم الإسلامي اليوم تتحقق فيه مقولة القابلية للاستعمار التي وضعها مالك بن نبي - رحمه الله - لوصف النفسية الإسلامية في فترات معينة من القرن العشرين أمام الاحتلال الأجنبي لأقطار المسلمين.
وهناك أمر ثالث يثار عند المبالغة في التخوف من ظاهرة العولمة. فهذه المبالغة قد تعود أيضا إلى الاعتقاد الواهم لدى فئات من المسلمين بأنهم لا يملكون ما يقدمونه للعالم، بينما يملك العالم ما يقدمه للمسلمين، وهذه مقولة خاطئة تعود إلى العاملين السابقين. إن المسلمين يملكون شيئا كثيرا يمكنهم تقديمه إلى العالم لو عرفوا كيف يسخرون الوسائل الحديثة لذلك، وإذا أدركنا أن هذا واجب على المسلمين انطلاقا من مبدأ الشهادة على الناس وهداية البشرية، عرفنا أن العولمة ليست غولا مرعبا، بل هي على العكس قناة جديدة تفتح أمام الرسالة الإسلامية، وليس غريبا أن يكون الغرب هو نفسه أول من يعرف هذه الرسالة الإسلامية ويتوجس خيفة منها، ويضع نظرية حول صدام الحضارات انطلاقًا من هذا التوجس. إن العولمة لا تشكل خطرا بذاتها على المسلمين، ولكن سوء التعامل وعدم اختراقها هو ما يشكل أسوأ الخطر علينا.
يقول الدكتور عبد الله بن عبد المحسن التركي:"إن الدعوة إلى العولمة لا ينبغي أن يقصد بها طمس هوية الشعوب، وإلغاء خصوصياتها الحضارية، ولا الغض من عناصر هويتها الدينية والثقافية، أو قطع الصلة بينها وبين تاريخها وتراثها الحضاري. وأكثر ما ينطبق ذلك على العالم الإسلامي الذي يؤمن بدينه عقيدة وشريعة ويعتز به، ويمكن أن يسهم بالإضافة والتجديد إلى حضارة الإنسان المعاصر في نطاق عالمية الإسلام، وأنه رسالة عالمية خالدة، خاتمة للرسالات الإلهية، تدعو الناس إلى عبادة الله وحده، وطاعة رسول صلى الله عليه وسلم الذي بعث رحمة للعالمين". ويواصل الدكتور التركي قائلا:"إن المسلمين يملكون رصيدا ضخما في مجال الثقافة والقيم والعلاقات الإنسانية، والتعاون بين الأمم والشعوب، فينبغي أن يكون للإسلام نصيبه في بناء أي نظام عالمي جديد، وأن يكون له مكانة في الدعوة إلى التعايش السلمي بين البشر" (8) . ويقول الدكتور محمد فاروق النبهان:"نحن نجد ملامح العولمة في القيم الإسلامية التي تدعو إلى التكافل بين الناس، والتعاون على الخير وإلغاء كل مظاهر التمييز العنصري، ومقاومة كل دعوة إلى إقليمية ضيقة أو قومية متفوقة، أو عصبية جاهلية" (9) .
وإذا كانت العولمة ظاهرة جديدة نشأت في الغرب، فإن الإسلام جاء بالعالمية الإنسانية منذ عدة قرون، وهي البديل الأخلاقي للعولمة الغربية، والإسلام لم يكن عالميا فقط لأنه موجه إلى العالمين، بل كذلك لأن الحضارة الإسلامية حضارة شاملة ومكسب للبشرية جمعاء، ولم يكن العرب سوى نواة هذه الرسالة، أما محيطها فهو كل الإنسانية. وقد ساهمت الشعوب الأخرى جميعها في بناء هذا الصرح الشامخ، فهي حضارة غنية في ذاتها تداخلت فيها إسهامات كل الشعوب.
خطوات في مواجهة العولمة