فهرس الكتاب
أما جمال الدين الأفغاني فقد أفاض في الحديث عن دهرية هذه الثقافة الحداثية التنويرية الأوروبية التي أحيا فلاسفة تنويرها، وخاصة فولتير وروسو دهرية أبيقولا الأمر الذي جعل الثورة الفرنسية وبالا على الثقافة الفرنسية المتواصلة مع النصرانية، ولقد كشف عبد الله النديم الطابع الإلحادي لهذه الثقافة الحداثية، وتحدث عن هذا الفريق من كتاب"المقتطف"، واصفا إياهم بأنهم أعداء الله وأنبيائه.
ويقول الدكتور عمارة: إذا كان الاستعمار الغربي في مرحلة الغزو المسلح قد حاول فرض هذه الثقافة الحداثية علينا بحد السيف وبحق الفتح، فإن هذا الفرض لثقافة الحداثة والقطيعة مع الإسلام هو ما تسعي إليه العولمة الغربية هذه الأيام ليس بواسطة الفتح المسلح، كما كان الحال إبان الاستعمار التقليدي، وإنما بواسطة شرائح الغلو العلماني في بلادنا.
العولمة اللغوية
ومع عولمة القيم الغربية وثقافة الحداثة تتم أيضا عولمة اللغات الغربية لتزيح اللغات الوطنية والقومية عن عروشها، وإذا كانت الفرنسة والجلنزة والروسنة قد بدأت مع الاستعمار الغربي الحديث ولازالت بصماتها السوداء باقية في ثقافتنا وإعلامنا ولغة خطابنا وشركاتنا ولافتات متاجرنا، فضلا عن مدارسنا وجامعاتنا، فإن العولمة الاقتصادية التي تحولنا إلى عمالة في الشركات الغربية عابرة القارات والجنسيات، وإلى مستوردين وموزعين ومستهلكين لمنتجات تلك الشركات ستفرض علينا بحكم العمل والاستهلاك إحلال لغات تلك الشركات، وأسماء سلعها محل لغتنا الوطنية والقومية حتى تصبح بلادنا سوبر ماركت لا علاقة لما فيه بلغاتنا بما في ذلك العربية لسان الإسلام ولغة القرآن الكريم.
العولمة الدينية
ويلفت الدكتور عمارة الانتباه إلى أن هذه ليست جميع أبعاد العولمة، حيث يتبقى هناك - وهذا هو الأخطر - العولمة الدينية التي تعمل على تنصير المسلمين طموحا إلى إلغاء أمتنا الإسلامية وحضارتنا، وطي صفحة الإسلام من سجل الوجود.
وإذا كان الوعد الإلهي قد جعل ويجعل هذا الهدف المجنون مستحيلا"إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر:9] ، فإنه يجب أن نفرق بين حفظ الدين وبين إقامة الدين، فالله تعإلى قد وعد بحفظ القرآن ديوان الدين الإسلامي لكن إقامة هذا الدين هي تكليفنا نحن ومهمتنا نحن، وهذا هو الذي يتعرض لامتحان عسير للعولمة على جبهة التنصير، وإذا كانت الأرثوذكسية السلافية الغريبة تمارس هذه المهمة غير المقدسة عن طريق الإبادة والتطهير العرقي - الديني، والمقابر الجماعية التي تدفن فيها المسلمين من البلقان إلى القوقاز، فإن الكنيسة الكاثوليكية الغربية قد أعلنت الحرب لتنصير المسلمين، بدلا من تنصير بيتها الأوروبي الذي انحدر إلى الإلحاد واللأدرية، فرفعت شعار أفريقيا نصرانية سنة 2000، فلما خيب الله آمالها لم ترعوي، وإنما زحزحت التاريخ إلى سنة 2025م.
أما البروتستنتية الغربية فإن بروتوكولات قساوسة التنصير فيها قد تبلورت في مؤتمر كلورادو بأمريكا في مايو سنة 1978 تلك التي تقول:"إن الإسلام هو الدين الوحيد الذي تتناقض مصادره الأصلية مع أسس النصرانية والنظام الإسلامي هو أكثر النظم الدينية المتناسقة اجتماعيا وسياسيا، ونحن بحاجة إلى مئات المراكز للتركيز على الإسلام لفهمه ولاختراقه في صدق ودهاء".
هكذا تتم العولمة والاجتياح على كل الجبهات، ومختلف الميادين من الاقتصاد والسياسة إلى القيم والثقافة، وحتى الدين مرور ا بالعسكرية والتشريعات واللغات.
والآن .. ما العمل؟
وفي الجزء الخاتم من الكتاب يتحدث الدكتور عمارة بروح مؤمنة مستبشرة قائلا: إن أعظم المخاطر وشراسة التحديات لا تعني أن الصورة قاتمة، ولا أننا أمام طريق مسدود، وإنما تكون نقطة البداية في مواجهة مخاطر العولمة، والتعامل معها هو أن تعي قوى اليقظة والأصالة الوطنية والقومية الإسلامية في عالم الإسلام حقائق الموقف دونما تهوين ولا تهويل، وأن تحدد نقاط قوتها والفرص المتاحة أمامها في مواجهة هذه التحديات، أي أن تعي حقائق وقوى وتضاريس الموقف الداخلي والخارجي على السواء.
ويؤكد الدكتور عمارة أن مشكلتنا ليس مع الغرب، وإنما مع المشروع الغربي والأمريكي بالدرجة الأولى، وقفازه الصهيوني على أرض فلسطين، وبذلك يمكننا الاستعانة على المشروع الغربي، وبالذات جوانبه المعادية، بما في الغرب من إمكانات وطاقات يمكن الاستفادة منها والاستعانة بها أو على الأقل تحييدها.
ويضيف أن عالم الإسلام ومعه حضارات الجنوب تملك من الإمكانات ما يغري المخلصين والواعين بترتيبها وتعظيمها، والعالم الإسلامي وحده يمتلك وطنا مساحته 37 مليونا من الكيلو مترات المربعة تعيش فيه أمة يبلغ تعدادها نحو ربع البشرية 1.384.800.000 نسمة غير الإمكانات الروحية
الحضارية والثقافية التي يملكها العالم الإسلامي.