فهرس الكتاب

الصفحة 3981 من 27364

وهنالك حقيقة لا بد من ذكرها وهي أن الرأسمالية التي تعتمد عليها العولمة ليست منهجًا واحدًا في كل بلد، فالرأسمالية الأمريكية والبريطانية لا ترى أي دور للدولة، بينما الرأسمالية اليابانية والآسيوية تلعب السياسة الصناعية وتوجهات الدولة دوراً كبيراً فيها، أما الرأسمالية الفرنسية فتخطيط الدولة يضع مؤشرات للقطاع الخاص، بل تدخل بنفسها منتجاً. أما رأسمالية الدول الاشتراكية السابقة، فما زالت في طور التحول. وأما الاشتراكية الديمقراطية فقد تجمع قواها وتأتي بأفكار جديدة لمحاربة الرأسمالية أو لتقليل شرورها أو مساوئها (14) . ولا شك في أن السبب في ذلك أن هذه الدكتاتورية الدولية تتناقض ومصالح الأغلبية العظمى من دول العالم، بما في ذلك الدول الكبيرة والمتوسطة، وهو ما يفرض صياغة الإجراءات المضادة للخروج من هذه الدكتاتورية (15) .

ومجمل القول، فإن مقاومة العولمة بالصيغة الأمريكية الرأسمالية الصهيونية، ستقاومها البشرية شيئاً فشيئاً في ضوء قانون السيرورة الكونية: قانون التحدي والاستجابة. فروسيا ولغتها ودينها وعنجهيتها القيصرية وذكرياتها السوفيتية وقدراتها التدميرية، والصين وأعماقها الكونفوشيوسية، والهند وخلفياتها البوذية، واليابان ومصالحها الاقتصادية الهائلة وذكرياتها مع هيروشيما وناجازاكي وألمانيا وفلسفتها العرقية التي ما زالت كامنة في اللاشعور، كل هذه المقدمات ستحول دون وصول العولمة إلى أهدافها النهائية. وهكذا شعوب العالم التي تنتمي إلى تواريخ وحضارات لا يمكن أن تتحول إلى أموات بين يدي غاسل العولمة الأمريكية الصهيونية. فإذا كان هذا وضع العالم وشعوبه، فيا ترى.. ما هو موقفنا نحن في العالم الإسلامي حيال العولمة؟

هل نرفض العولمة؟

العولمة ليست فلسفة محدودة أو ثقافة ضيقة أو مذهباً اقتصادياً محصوراً، أو قناة تلفازية ذات اتجاه واحد. العولمة - من خلال ما شرحنا - ظاهرة عالمية كونية شاملة، تغمر كرتنا الأرضية، وهي أكبر حقيقة واقعية في عصرنا الراهن في ظل ثورة أحالت الكرة الأرضية إلى كرة من المعلومات تدور في الاتجاهات كلها (16) . إن العولمة غزت الدنيا كلها، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والتربية والتعليم والثقافة والإعلام والآلات العسكرية. وهنالك ما يزيد على خمسمائة قمر صناعي تدور حول الأرض مرسلة إشارات لاسلكية تكرس العولمة، فبوساطة الصور المتحركة على شاشات أكثر من مليار جهاز تلفزيوني، تتشابه الصور وتتوحد الأفكار والأحلام والأماني والأفعال، بحيث قيل عن هذا الإعلام بأنه إعلام بلا وطن في فضاء بلا حدود (17) .

إذن فلا يمكن أن يدَّعي عاقل أننا نستطيع أن نضع الأمة الإسلامية في علبة ونغلق عليها الباب (18) . وحتى إذا استطعنا فإن هذا ليس في صالحنا، ولا صالح أجيالنا القادمة، ولا في صالح بناء حضارتنا الإسلامية الجديدة، ولا في صالح البشرية التائهة التي تنتظر منقذاً يقدم إليها القيم الفاضلة، والأخلاق النبيلة، والأخوة الإنسانية الحقيقية، التي تربط بين البشر جميعاً.

ولقد صدق أحد الباحثين من المسلمين عندما قال:"والخطر لا يكمن في العولمة ذاتها بقدر ما يكمن في سلبية المتلقي، وفي التوظيف الأيديولوجي للعولمة، ونجاح العولمة في الهيمنة والاختراق والتأثير لا يتعلق بإمكانيات وقدرات الدول المتقدمة الفاعلة المصدرة للعولمة بقدر ما يتعلق بقوة وضعف الدول الأخرى المتلقية" (19) .

نعم.. فالأمم الضعيفة في مواجهة العولمة، هي التي تخسر كل شيء. وأما الأمم القوية التي تواجه العولمة وتندمج بها وتتفاعل معها، فهي التي تربح معركة المنافسة الحضارية مع العولمة.

إن التعامل مع دنيا العولمة لا يعني أن العولمة قدر مفروض يكسب الرهان دائماً، ولا يعني أنه استسلام ذليل، وإنما التعامل القوي يعني التعايش معها، وتوظيف بُعدها التكنولوجي والحضاري والاستفادة منه لمواجهة الهيمنة باسم العولمة.

ولا بد لنا أن نقرر هنا أنه ليست هنالك حضارة أو ثقافة أو قيم أو دين على وجه الأرض ستتأثر بالعولمة، كما سيتأثر بها الدين الإسلامي والحضارة الإسلامية والعالم الإسلامي. وإن جاء باحث ودرس العولمة بأبعادها كلها دراسة متفحصة وادَّعى بأن تدمير المسلمين جميعاً هو المقصود الأهم والشاغل الأكبر للعولمة الأمريكية الرأسمالية الصهيونية، ما بالغ في رأي الكثيرين في ذلك (20) .

ويتحدث المفكر الفرنسي المسلم رجاء جارودي عن هذه العولمة الأمريكية الصهيونية فيقول:"هذه الوحدة التي أسسها الحكام الأمريكان، واللوبي الصهيوني"الآيباك"AIPAC، وساسة دولة إسرائيل، تقوم اليوم - أكثر من أي وقت مضى - على وحدة الهدف الذي هو محاربة الإسلام وآسيا اللذين يعدان أهم عقبتين في وجه الهيمنة العالمية الأمريكية والصهيونية" (21) .

ويقول باحث آخر:"ومن المؤكد أن المستهدف بهذا الغزو الثقافي هم المسلمون. وذلك لعاملين:"

أ - ما تملكه بلادهم من مواد أولية هائلة يأتي على رأسها النفط والغاز وثروات طبيعية أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت