فهرس الكتاب

الصفحة 3989 من 27364

وتقبل الأفكار المفرقة للأمة في أسسها لم يأت فقط عن طريق الفرض الاستعماري فحسب، وإنما ظهر أيضًا نتيجة للاحتكاك الحضاري، بين أمة متأخرة جامدة غير منتجة للفكر والعلم والمدنية، وبين أمم استعمارية غربية قوية دخلت في العصر الحضاري الجديد، فأبدعت في التنظيم وبناء الحياة المادية أيما إبداع. فحصلت من هنا الكارثة الكبرى في بلاد الإسلام، حيث قانون تقليد المغلوب للغالب قد عمل عمله، وسقطت أجيالنا المتلاحقة أمام الأفكار المغرية التي أتتهم من الغرب، دون أن تكون لهم بها قوة في الوعي والتمييز والتمحيص والاختيار.

وقد ظهر ردّ الفعل الإسلامي المسالم أو العنيف على هذه الأوضاع المزرية في التشرذم والفرقة والصراع والصدام. فدعا الإسلاميون إلى الرجوع إلى كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - . ومن هنا حدث صدام فكري ودموي بينهم وبين أصحاب تلك المبادئ اللادينية المناقضة لأسس الإسلام، والذين مكنتهم القوى الاستعمارية من حكم البلاد الإسلامية. واستمر الحال قرابة قرن كامل من الزمان، بحيث ألحق ذلك الصراع أضرارًا فادحة بمجمل حركة التطور الإسلامي إلى الأمام، لأن القوميين العلمانيين والوطنيين اللادينيين، والوجوديين الملاحدة، والشيوعيين الماديين، لم يكونوا على استعداد أن يلتفتوا إلى الإسلام أي التفات، بل عدّوا الإسلام ومن يؤمنون به وينادون بالاحتكام إليه أعداء حقيقيين لهم وللبلاد؛ فالصقوا بهم التهم الباطلة، واتهموهم بإعاقة تقدم الأمة وأدخلوهم في محن طويلة من السجون والتشريد والقتل، وانفردوا هم بحكم البلاد وتدبير أمور السياسة قرابة قرن كامل من أخصب زمان الأمة.

وبدا العقلاء شيئًا فشيئًا يتساءلون: يا تُرى ماذا فعل الحكام اللادينيون الذين كانوا يحكمون بلاد الإسلام، والذين كانوا ينتمون إلى القومية والوطنية والماركسية؟

هل قدّموا المجتمع إلى الأمام؟ هل وحّدوه؟ هل بنوا مجتمعًا متماسكًا؟ هل قادوا تنمية ناجحة؟ هل أسسوا فيها قضاءً عادلاً؟ هل بنوا فيها تعليمًا منسجمًا وتربية محصنة؟ هل حافظوا على كرامة الإنسان المسلم؟ هل كانوا يحكمون بشورى حقيقية؟ هل سخّروا المنافقين من الكتاب والأدباء والشعراء وأهل الصحافة لمصالح الجماهير المخدوعة أم لمصالحهم الطاغوتية؟ هل قضوا على الفقر؟ هل أوجدوا اقتصادًا قنوعًا في العالم الإسلامي؟ أم ضيّعوا ثروات الأمة في رغبات النفس الأمارة بالسوء، وبناء القصور وتزيينها، والمحافظة على استمرارهم في الحكم والسلطان والطغيان؟!.

ألم يأن لهؤلاء أن يعترفوا أنهم مسخوا الأمة بالتقليد، وصنعوا لها الكوارث تلو الكوارث، وأوقعوها راكعة ذليلة أمام الطغيان الأمريكي والصهيونية العالمية.

ألم يأن لهم أن يلتفتوا إلى إسلامهم، فيحاسبوا أنفسهم ماذا جنوا بحقه؟ ويتساءلوا بينهم: هل فهموا حقائقه؟ ألا يجب عليهم أن يجربوه تجربة أصولية عصرية ليعلموا كيف تكون النتيجة؟

-لو ربوا الأجيال على الإيمان والإخلاص والابتعاد عن الذنوب عامة وخاصة، ماذا سيحصدون؟

-لو عادوا إلى استشارة الأمة استشارة ملزمة، ماذا ستكون العاقبة؟

-لو طبّقوا الأنظمة العامة في الشريعة الإسلامية الثابتة بالوحي الإلهي من أجل إحداث تنمية شاملة، ماذا ستنتهي إليه الأمة؟

-لو رجعوا إلى نظام التربية والتعليم نصيب كل إنسان في أسماء الله الحسنى، كيف ستنمو القيم، ويتوحد الشعور ويبدع العقل المنتج وتنطلق الحركة المغيرة؟

ثم ألم يأن للإسلاميين أيضًا أن يقوموا بمساءلة أنفسهم ماذا يجب أن يفعلوا مع أنفسهم؟ هل أفادهم خلط الوحي الإلهي بآراء رجال استنبطوا لعصرهم وفكروا من خلال واقعهم؟

ألا يجب عليهم أن يفصلوا الوحي الإلهي عن التاريخ الذي هو صنع آبائهم وأجدادهم بكل ما فيه من حلو ومر.

-ألا يجب عليهم جميعًا أن يدخلوا في العصر الحديث ليبنوا مستقبل الأمة، فيقللوا الحديث عن الماضي المفرق أحيانًا.

-هل من الإخلاص لله ولرسوله أن نرجع إلى واقعنا الجديد صراعات السلفية والصوفية والأشعرية والمعتزلة والحنبلية والجهمية، والسنة والشيعة، تلك الأفكار التي ذهبت مع صراعات عصرها، ولنا اليوم عشرات المعضلات الحضارية الحديثة التي تنتظر الجواب السديد.

هل يفيدنا في مواجهتنا الحضارية الحديثة لبناء أمتنا الحلول الجزئية المرحلية الماضية التي أكل عليها الدهر وشرب؟.

ألا يجب على الإسلاميين حتى يقنعوا أهل الأفكار الغربية الممزقة بأحقية الحل الإسلامي، أن يعودوا إلى المنهج الشمولي في فهم الإسلام عقيدة وشريعة وسلوكًا بأسلوب جديد ومنهج واع، يعتمد العلم والعقل لا غيرهما.

إن أمتنا تواجه اليوم العولمة الطاغية الباغية، وهي ساقطة متأخرة بينها وبين أهل الحضارة المسيطرة شأو بعيد.

فهل من المعقول أن نسمح بأن يستمر الانحدار، ويتمكن التأخر، وتزداد الهوة بيننا وبين العصر الحديث.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت