إن الطريق الوحيد أمام العولمة الأمريكية الصهيونية، مواجهتها في إضعاف الإيمان بالانطلاق من عقيدة الأمة والتضامن بين العرب والمسلمين في مجالات الحياة كافة، والوقوف وقفة موحدة أمام السياسات العولمية الغاشمة.
أما التفرق والخضوع فلن يخدم أحداً، وسيؤدي إلى مزيد من النكسات والسقوط أمام الغطرسة الأمريكية والطغيان الصهيوني.
إن العولمة الأمريكية لن تركع إلاّ أمام إرادة أربع وخمسين دولة عربية وإسلامية، حين يتبعون سياسة واحدة في المواجهة السلمية وحتى الحربية.
إن أمريكا لها مصالحها الضخمة في العالم الإسلامي، وستضطر إلى التفاهم حين تجد نفسها أمام إرادة عربية واحدة أو إسلامية واحدة.
إن العرب والمسلمين، لابد أن يصبوا جهدهم في تحقيق الوحدة في العالم العربي والإسلامي. لا أقول وحدة الدولة، فهذا عسير جداً في عالمنا المعاصر، وإنما وحدة العقول والقلوب والمصالح والتضامن الكامل في إطار جامعة إسلامية واحدة أو في إطار المؤتمر الإسلامي الحالي، والذي تتولد منه سياسة واحدة، على أساس وحدة الأمة الواحدة.
والوحدة العاطفية لا تكفي أيضاً، إلاّ إذا عرفت هذه الوحدة: كيف تدخل في العصر الجديد، وكيف تستفيد من الفرص المتاحة، ومن خلال حسن الاختيار؛ كي تصل إلى أفضل النتائج.
إن الغرب الصليبي بدوافع الأحقاد التاريخية المتأصلة ضد الإسلام وأهله، لن يسمح بقيام المسلمين ونهضتهم ووحدتهم ودخولهم في عصر التقنيات العالية.
وإن اليهودية العالمية ستبذل المستحيل للحيلولة دون قوة ووحدة الأمة العربية خاصة والإسلامية عامة.
لكن إذا أخلصت الأمة مع ربها، وانطلقت إلى بناء الحياة من ذاتها، فإنها- بإذن الله- ستصل إلى ما تريد، دون مساعدة الأقوياء. وأمامنا اليابان وألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية، فقد رفضتا المساعدة الخارجية المقيدة المشروطة، وواجهتا قدريهما بنفسيهما، ووصلتا اليوم إلى ما وصلتا إليه من القوة والحصانة.
يقول الاقتصادي المصري"رفعت العوضي":"مسألة التكامل الإسلامي، وكيف يمكن للدول الإسلامية اليوم أن تكمل في إطار هذا التكامل في ظل الظروف الراهنة، ليس بمقدور أي دولة إسلامية أن تخرج عن الإجماع العولمي الذي تمليه الدول السبع الكبار عبر المؤسسات والمنظمات الدولية، ومن ثم فإن المتنفس أمام الدول الإسلامية يبدأ عبر الساحة الإسلامية ذات الامتداد الجغرافي والإستراتيجي والسكاني والمادي، بدءاً بالتكامل، وانتهاءً بالتوحد عبر سياسات منضبطة."
العالم الإسلامي يمتلك مخزوناً جباراً من رؤوس الأموال ومن الثروات الحيوية والمعدنية، بالإضافة إلى التلاحم الجغرافيين، والتكامل في الموارد؛ ولهذا لو قامت تجارة فعلية بين العالم الإسلامي لأمكننا الاستغناء عن العالم الخارجي- على الأقل- في الاحتياجات الإستراتيجية.
وهنا يبرز دور مؤسسات التكامل؛ سواء على مستوى الإطار الإسلامي العام كمنظمة المؤتمر الإسلامي، أو حتى على المستوى الإقليمي كالاتحاد المغربي ومجلس التعاون الخليجي، أو اتحاد جمهوريات وسط آسيا الإسلامية، أو على المستوى الوظيفي كمجموعة الدول الثمانية الإسلامية. لكن المثير للعجب أن دور هذه المؤسسات لم يزل مقصوراً على الدور الاستشاري، ولا يحمل أي صورة من الإلزام"."
إننا بحاجة إلى بناء الإنسان المسلم بناء إيمانياً قوياً راشداً، معتزاً بذاته، مغيراً لظروف حياته، عارفاً بظروف الأمم الأخرى، قادراً على نهوض حقيقي في مواجهة أخطار العولمة.
والشرط الأساس أن نعيد إليه الاعتبار، ونخلصه من الاستلاب السياسي الذي تعرض له خلال القرون الأخيرة؛ كي يخطط لمشروعه الحضاري المتكامل، ليخدم نفسه ويخدم غيره.
إن الغرب الآن ليس بحاجة إلينا في التقنيات المتقدمة، بل نحن الأحوج إلى ذلك كثيراً، ولكن الغرب يحتاج إلى قيمنا كما نحتاج إليه. ولو أخذنا بوسائل العولمة الحديثة التي يستعملها للتدمير، ووجهناها من خلال قيمنا وأخلاقنا إلى التعمير، لخدمناه وخدمنا البشرية جميعاً، وخدمنا- قبل ذلك- أجيالنا، وحصنّاهم؛ كي لا يقعوا فريسة سهلة أمام مغريات العولمة الأمريكية الصهيونية اللادينية الإباحية.
يقول الدكتور"عبد الحميد الغزالي":"بعد سقوط الاشتراكية وتبني جورباتشوف البيريسترويكا، التي أراد من خلالها أن يبحث عن طريق غير الرأسمالية؛ لأنه أعلم بمشاكلها- أرسل وفداً ليدرس النظام الإسلامي للاستفادة منه، وشكلت لجان في مركز الاقتصاد الإسلامي التابع لجامعة الأزهر من المتخصصين، وعكفت هذه اللجان على صياغة برنامج متكامل للنظام الإسلامي في شكل بنود وفقرات، قدمنا فيه نظاماً اقتصادياً تشغيلياً، يبدأ بفلسفة النظام والعمل والأجور، ونظام الملكية المتعددة، والاستهلاك، والاستثمار، والادخار، والشركات، وصيغ الاستثمار، والسياسة النقدية، والسياسة المالية.... إلى آخر مكونات النظام الاقتصادي الفاعل."