فهرس الكتاب

الصفحة 4041 من 27364

وهو دور تستطيع أن تنجزه الأمة من خلال شعوبها وعلمائها وكوادرها الفاعلة في مختلف المجالات وإن اختلفت أهواء الساسة ومشاربهم.. وليس هناك مناسبة أضخم من موسم الحج لتحقيق هذا الأمل، فالأمة باعتبارها الكيان المدني الذي يقابل السلطة أو ما يعرف في العصر الحديث بمصطلح مؤسسات المجتمع المدني هي وحدها المؤهلة للقيام بهذا الدور.

وليعذر بعضنا بعضا في الخلاف فيما دون الأصول.

هناك ملمح آخر مهم من ملامح فريضة الحج وهو أن يعذر بعضهم بعضاً فيما تباينوا فيه أو اختلفوا فيما دون الأصول والثوابت المقررة شرعاً.. كان هذا الأمر واضحاً جداً في فقه صلى الله عليه وسلم في الحج، فلقد كان فقه صلى الله عليه وسلم أن يوسع ضيقاً لا أن يضيق واسعاً، حتى يمكن أن نتخذ شعاراً فقهياً في الحج"التوسيع والتيسير على المسلمين"ومن دلائل ذلك من هديه صلى الله عليه وسلم

1 ما سئل صلى الله عليه وسلم عن شيء قُدم ولا أُخر إلا وقال: افعل ولا حرج .

2 لما وقف وظهره للصخرات بعرفة قال: وقفت ها هنا وعرفة كلها موقف.

3 اختلاف أنواع الإحرام نفسها بين التمتع والقران والإفراد دلالة على هذه التوسعة وهذا التيسير.

والتماس العذر للناس بعضهم بعضاً هو أحد أعمدة وحدة المرجعية العامة مع ترك التفاصيل الدقيقة لظروف كل مجموعة وطبيعتها والمؤثرات التي تؤثر عليها..

التعددية والتنوع الثقافي واللغوي

مظهر بارز من مظاهر سفراء الشعوب المسلمة في الحج وهو إفراز طبيعي لامتداد دين الإسلام رقعة وانتشاراً، وقبول هذا التعدد والتنوع الثقافي ركيزة أساسية من ركائز تحقيق وحدة المرجعية، عندما يؤمن كل شعب إيماناً جازماً أنه غير مطالب بالتنازل عن تفاصيل حياته اليومية وعن خصوصيته الثقافية لتحقيق الانصهار في بوتقة وحدة الإسلام العالمية، وإنما يترك له الإسلام مساحة واسعة من الحفاظ على الإرث الثقافي فيترك له لغته ولسانه الذي ولد به ولهجته التي درج عليها، وطريقته في المأكل والمشرب والملبس، ووسائله وأدواته الخاصة في الحياة ما لم يتعارض كل ذلك مع المبادئ والآداب الإسلامية، ويبقى الإسلام الإطار العام الذي يؤطر حياته كلها..

إن أكبر معوقات الوحدة النفسية عند الشعوب هي شعور الشعوب بأنها خاضعة لثقافة الفئة المنتصرة أو الغالبة وأنها منصاعة لتلك الثقافة البيئية لا للدين، أي الخضوع لأعراف أرضية لا لقوانين سماوية، والإسلام لم يفرض على الناس لغة قريش ولا لهجتها ولا طرائق معيشتها لأنه نزل على نبي عربي قرشي.. لقد راعى الإسلام الفوارق الثقافية والتنوع البيئي بين الشعوب فتعددت قراءات القرآن الكريم أقدس كتاب في حياة البشر بتعدد اللهجات العربية الكبرى.. وعندما تحرك المسلمون الأوائل للفتح الإسلامي المبارك لم يصدروا ثقافاتهم البيئية ولم يفرضوها على الشعوب فرضا ولم يعمدوا إلى عولمة ثقافية يخضعون لها الشعوب ماحين إرث كل شعب وتراثه.. ومن هنا نرى الناطقين بالعربية لا يتجاوزون ربع تعداد المسلمين في عالم اليوم، رغم مكانة اللغة العربية وفضلها كونها لغة القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف والعلوم الإسلامية المرتبطة بهما.

لم يفرض الإسلام على الناس تغيير لغتهم وهي الوعاء الثقافي الأهم في حياة الناس، فهل يفرض على الناس ما دون ذلك من عادات وتقاليد بيئية في المأكل والمشرب والملبس!.

هذا التنوع وتلك التعددية الثقافية والبيئية هي التي تعطي لأمة الإسلام زخمها وقوتها وحيويتها، وهما صمام أمان لوحدة مرجعية إسلامية كبرى تتجاوز التفاصيل وتركز على الأصول الثابتة.

فهل تعي الأمة واحداً من أهم دروس فريضة الحج الكبرى، فتسعى لتوحيد مرجعيتها كما يحقق حجاج بيت الله أخوتهم الإسلامية في الحج؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت