والمثير أن تستخدم الوثيقة كلمة (المساواة) للتعبير عن إزالة الاختلافات بين الرجل والمرأة حتى ولو كانت اختلافات بيولوجية، وتستخدم (التنمية) للتعبير عن الحرية الجنسية والانفلات الأخلاقي، وتستخدم كلمة (السلم) لمطالبة الحكومات بخفض نفقاتها العسكرية، وتحويل الإنفاق إلى خطط التخريب والتدمير للأيديولوجية النسوية الجديدة.
ومن المؤسف أن هذه المفردات الجديدة والمقررات التي يسعى النظام العالمي الجديد إلى فرضها أيديولوجية كونية على العالم، تستهدف ضرب مَواطن القوة في الحضارات المختلفة معه.
ومن العجيب أن المجتمعات الغربية التي شرعت مسبقاً في تنفيذ هذه القوانين الشاذة عاد ذلك بالنكبات المتتابعة عليها وزادها تمزقاً وفرقة، وهنا لغة الأرقام تتحدث، فالإحصاءات والبيانات التي تصدر تباعاً من داخل المجتمعات الغربية تؤكد ذلك، وعلى سبيل المثال لا الحصر تقول بعض المصادر الأمريكية إن هناك حوالي مليون فتاة أمريكية من المراهقات يحملن كل عام (خارج الزواج) وأن حوالي 300 ألف منهن دون سن الخامسة عشرة، وأن 400 ألف منهن يقدمن على الإجهاض.
كما تؤكد الدراسات العديدة الصادرة عن أشهر ثلاثة باحثين أمريكيين في السلوك الجنسي وهم (كنزي وجونسون وماستر) أن 50% من الذكور الذين تمت دراسة حالتهم قد مارسوا الجنسية المثلية، كما تؤكد دراسات أخرى أن 1.5 مليون امرأة وفتاة يمارسن السحاق.
ولذلك فإن الأيديولوجية الجديدة تستمد جذورها الفكرية من"الماركسية الحديثة"، حيث تعتبر أن خطأ الماركسية القديمة هو اللجوء إلى الأساليب الاقتصادية لبناء مجتمع لا طبقي، بينما ترى الأيديولوجية الحديثة أن اللجوء إلى الأساليب الاجتماعية هو السبيل الوحيد لمجتمع خالٍ من الطبقات والميول الطبقية، ولذا فإن"الأسرة"والأمومة في نظر"الماركسية الحديثة"تمثل السبب وراء نظام طبقي جنسي يقهر المرأة لا يرجع إلا لدورها في الحمل والأمومة.
ومن يتأمل في تلك المقررات بعين العقل والبصيرة فإنه لا يكاد يصدق أنه يوجد شخصان من البشر يقرانها لشناعتها وخطرها، بل لو حُدثنا عن أنها في أمة سابقة لاعتبرناها أمراً عجباً، والمرء يعجب أعظم العجب عندما يتيقن أن تلك المقررات والدعوات تتداعى دول عدة لإقرارها، وتتفاقم الطامة عندما نعلم أن وثيقة بكين التي أصبحت"مقررات بكين"وقّعت عليها 183 دولة لتصبح أساس المرجعية الكونية البديلة، دولٌ نالت حظاً كبيراً من فهم السنن الكونية في هذه الحياة، وهاهم يشاهدون أعظم العبر وأبلغ النذر في خطئهم، وخطرهم في دعواتهم الإباحية، بما رأوه من الأرقام المتصاعدة لصرعى الأمراض الجنسية التي أُعيوا أن يجدوا لها طباً أو شفاءً، فكيف تعمى بصائرهم عن وهاد السفاح ومزالق مخالفة الفطرة!
ولكن ذلك العجب يتلاشى حين نتأمل قول أصدق القائلين وأحكم الحاكمين والخبير بما في صدور العالمين: إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (44) (سورة الفرقان) . وإنه لعارٌ على الإنسانية إلى قيام الساعة أن يكون فيهم من تُبجل إنجازاتهم وتعدد مخترعاتهم بما فتح الله به عليهم، ثم ينتكسون تلك الانتكاسة الكبرى في هدم الأخلاق وإلغاء الكرامة الإنسانية وإهدار معالمها.