فمن ناحية تطلب هذه النخبة من المسلمين وهم غالبية المصريين أن يتخذوا العلمانية بمعنى إقصاء الدين عن الدولة، وعن القانون، وعن المجال العام الاجتماعي والثقافي والسياسي.. إلخ نبراساً لهم كهدف أسمى للإصلاح المزعوم، ومن الناحية الأخرى تتفاعل هذه النخبة مع الأقلية المسيحية في مصر على أنها كيان قوي منفصل أساس تكوينه هو العقيدة والدين, كما أن مفتاح التعامل معه يكون في الاعتراف بقيادة ممثّلة له ومجسّدة له ومعبرة عنه هي الكنيسة الأرثوذكسية القبطية, وإضافة إلى ذلك فإن النخبة ترى أن أساس تدشين ذلك الكيان ونهضته هو التمسك بكل أمور الدين وإحيائها، وبناء ثقافته وهويته، ومحددات نشاطه عليها، ولا يشعر أحد من هذه النخبة 'وهذا طبيعي فهم ينقلون عن الغرب، وهم يؤدون دوراً محدداً' بأي تناقض هنا.
والواقع أنه من وجهة نظر معينة فلا يوجد تناقض على الإطلاق, بل يوجد تناغم وانسجام، ووجهة النظر الوحيدة هذه هي المصلحة الغربية العليا التي تريد أن تقضي على الإسلام في بلاده، وتتخذ من العلمانية الأداة الكبرى في سبيل تحقيق ذلك، ونفس وجهة النظر أو المصلحة القريبة 'وهي كذلك مصلحة وكلاء الغرب وعملائه' تقضي بأن يجري تحفيز ودفع قوى داخل البلاد الإسلامية تعمل كقوى مواجهة مع الهوية الإسلامية.
وقد وقع الاختيار في بعض البلاد الإسلامية على الأقليات غير الإسلامية لأسباب تتراوح من الحجم إلى التاريخ والإمكانية، ولكن لكي تقوم هذه الأقليات بدور المواجهة مع الوطن الإسلامي كان لا بد من حدوث أمرين أساسيين؛ أولهما هو نزع هذه الأقليات من الاندماج والولاء الذي دخلت فيه في الوطن الإسلامي، وتحويل هذا الولاء إلى الغرب, والأمر الثاني المتصل به هو تحديد هوية وكيان قوي لهذه الأقليات يمكن الإشارة إليه لرفض الوطن الإسلامي ومواجهة هويته, وكان الشيء الذي طرح نفسه بسهوله لهذا الكيان هو تحديد الهوية على أسس دينية لاستغلال وجود كيانات مؤسسية قائمة بالفعل مثل الكنائس وهيئاتها ومنظماتها، وفي هذه الحالة يستخدم الكيان القوي الجديد المؤسس على الهوية الدينية العقيدية كأداة مواجهة ضد الأغلبيات الإسلامية, حيث يشار إليه كحجة لعدم رفع أية أسس أو هويات أو مكونات إسلامية داخل الوطن ذي الغالبية الإسلامية؛ لأن ذلك من شأنه أن يثير الكيانات الأخرى الموجودة داخل ذلك الوطن, والتي لا تجعله بالفعل إسلامياً. وفي هذه الحالة لا يتحدث أحد عن أن هذه إمكانيات خلقت خلقاً بمعنى إعلاء هويتها المدنية إلى مرتبة الهوية القومية، واتخاذها العامل الوحيد لتمديد الكينونة والوجود.
بهذا وحده يمكن القول: إن الغرب والنخب العميلة له لا يميزون تناقضاً في خطاب العلمانية والطائفية المزدوج الموجه للعالم العربي، فالسبب في رفع التناقض عندهم هو مصلحة ضرب الإسلام المهيمنة على فكر صانع القرار.
http://www.islammemo.cc:المصدر