فهرس الكتاب

الصفحة 4078 من 27364

فإذا اتضح كما رأينا المقصد العام الذي دفع العلمانيين للتأسيس لفكرة العلمانية من داخل الحقل الأصولي المعرفي زال الغموض عن الدوافع التي تجعلهم ملتزمين بما ذكرنا من ملاحظات.

فالولوع بالنماذج أمر يعطي للتأسيس مشروعية ويعطيه أيضاً مصداقية القانون العام، فالنموذج المدروس ببعض تفاصيله وحيثياته تعمم النتائج التي توصل الباحث إليها بخصوصه على كل الظواهر. ولهذا لا نستغرب كثيراً عندما ننتقل إلى الحقل الأصولي فنجد التركيز الكبير على نموذج"نجم الدين الطوفي"وجعله الأكثر عقلانية داخل التراث المعرفي الأصولي الإسلامي، أما إذا ما جئنا إلى حقل المناظرات العقدية والكلامية فكثيراً ما نجد نموذج"القرامطة"يتناول بكثير من البحث عند فئات من الباحثين العلمانيين، كما نجد نموذج"المعتزلة"عند طائفة أخرى من الباحثين، بينما لا تحظى نماذج أخرى بأدنى دراسة علمية كاشفة عن المنهجية المعرفية التي كانت تنتظم إسهاماتها. فإذا انتقلنا إلى الحقل العرفاني السلوكي نجد الوله بنموذج"ابن عربي"أو الولوع بتفصيل مذهب التصوف الغنوصي كما لو أن تراثنا الإسلامي يخلو من كل لون من ألوان التصوف السلوكي السني!!

هذه بعض الأمثلة التي تؤكد هذه الملاحظة، وكثيراً ما تقترن هذه الملاحظة بانتقاء فاضح يفقد النموذج جوهره، فنموذج"ابن خلدون"غالبا ما ينظر إليه كرائد للعقلانية الإسلامية وصاحب الرؤية التاريخية، وبالماركسي الذي سبق ماركس وبنعوت يطول ذكرها. فهذا النموذج مثلا يتعامل معه بانتقاء، فتتحول عباراته المبثوثة في مقدمته إلى عبارات فاقدة لمضمونها الحقيقي، وتنتزع الأفكار من سياقاتها الحقيقية، حتى إن الدارس حين يطلع على إسهامات ابن خلدون وحين ينظر إلى ما كتب حوله من طرف هؤلاء يتصور أنهما شخصيتين في تاريخ الإسلام، فالانتقاء والاجتزاء لازمان من لوازم المنهج العلماني في التعاطي مع تراثنا المعرفي. وهكذا فالاهتمام بالنموذج إلغاء للنماذج الأخرى، واختزال بعض المفاهيم واجتزاء بعض العبارات وإفراغها من مضمونها الحقيقي إلغاء للمنهجية التي أطرت تفكير هذا النموذج المتخذ موضوعا للدراسة ومعيارا للحكم على باقي الظواهر.

وإذا انتقلنا إلى الملاحظة الثانية، نجد العلمانيين لا يهتمون بالتاريخ الإسلامي في تطوره بجميع حيثياته وتفاصيله وسياقاته، فتراهم يشغبون أنفسهم بالبحث في مرحلة معينة من مراحله، وخصوصاً الإسهامات الأصولية والمعرفية التي كانت سائدة فيها، وهذا يجعلهم أكثر قدرة على تجذير مفهوم العلمانية انطلاقا من خلق التماثل بين السياق العربي والإسلامي أقصد مرحلة من مراحله والسياق الغربي، فإذا نجح العلماني في خلق هذا التماثل في وعي القارئ هان عليه بعد ذلك تجذير المفهوم بالإحالة على التجربة الحضارية الغربية الحالية وعوامل قيامها. والدارس اللبيب لا يعدم وجود مفارقات عميقة بين السياقين لا تكاد تخفيها الدراسات العلمانية المولعة بشحذ كل آليات المنهجية المعرفية لخلق عنصر التماثل بين التجربتين.

أما الملاحظة الثالثة فمأخذها عميق، فالتأكيد على تاريخية المفهوم وعلاقته بساحة الصراع السياسي أمر بقدر ما يحتاج إلى تدقيق فهو يحتاج أيضا إلى إعمال النظر في الخلفية العامة التي تؤطر هذا المنهج. فتاريخية المفهوم لا تعني سوى الظروف والحيثيات التي أنتجته، وعلاقته بساحة الصراع السياسي لا تعني سوى استخدام السلطة المصلحي لكل مفهوم، أو قل للدقة: الضرورة التي تدعو السلطة إلى إنتاج المفاهيم العامة لتأكيد سيطرتها. وهذا ما يمكن أن نصطلح عليه:"زمنية المفهوم"وفيه قدر كبير من الخطورة، ذلك أن كثيرا من المفاهيم نشأت بحكم قداسة النص ابتداء، أو من دقة الاجتهاد وانضباطه لأصول النظر المعتبر، فإذا أخذنا هذا المعطى بعين الاعتبار فإننا ندرك الخلفية الجاثمة وراء هذه المقاربة العلمانية، فالقصد هو نفي القداسة عن كل المفاهيم، وربطها بعنصر الزمن، وهذا ما يجعل القارئ المتشبع بهذه الكتابات يتجرأ على بعض المفاهيم العقدية القطعية باعتبارها مفاهيم زمنية منتجة داخل سياق حضاري مشروط بظرفيته الزمنية، وتكفي دعوى تطور الحيثيات والمعطيات التاريخية لإعمال هذه الجرأة وتعميمها على جميع إسهامات العقل المسلم..

هذه عموماً بعض الملاحظات عل كتابات العلمانيين، وهي مفيدة تجعل القارئ على بصيرة بالمنهجية التي يلتزمها العلماني في الكتابة، وعلى وعي بالخلفية العامة التي تؤطر تفكيره. وحتى لا نبقى في مجال التعميم، نحاور نموذجا نعتقد أنه أخصب نموذج وأكثر استيعابا وأقدر على شحذ المفاهيم وتحليل بنيات التفكير، والتأسيس الذكي لمفهوم العلمانية، وسنختار نموذج محمد عابد الجابري من خلال ما يلي:

مفهوم العقل.

وجهة نظر حول المعيارية.

نقد مقولة: الأعرابي صانع الحضارة العربية

النظم المعرفية والحظوظ الإيديولوجية: التهميش والإقصاء.

وهذه الأفكار سوف نناقشها في الحلقة القادمة بإذن الله من هذا المقال التحليلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت