إذا كان شأن الأدب كما ذكرنا فما هي المساحة التي يحتلها في برامج وخطط أنصار الفكر الإسلامي من الشباب، إن الجواب على ذلك ميسور ولا يحتاج لكبير عناء، فما علينا إلا أن نتصفح أدبيات الصحف والمجلات الإسلامية لندرك مدى الفقر الذي تعانيه في هذا الجانب، فليس هناك مجلة واحدة على طول العالم الإسلامي وعرضه مخصصة لهذا الجانب، وتكتفي المجلات الإسلامية بتخصيص صفحات محدودة لباب الأدب، وإذا كان ذلك أمرًا مؤلمًا للنفس، ويدعو للأسى، فإن الأكثر إيلامًا هو عدم اهتمام المشرفين على أبواب الأدب بالمشاركات الأدبية التي يرسلها القراء وعدم تشجيعهم الناشئة.
فأنى بعد ذلك للأدباء الإسلاميين أن يبدعوا وأنى للمواهب الشابة أن تنمو وتتطور؟ وهل ننتظر أن تنشر لهم مجلات العلمانيين الذين يخصصون المجلات الكبيرة لنشر المقالات الطويلة والبحوث المعمقة والقصائد الحديثة، وهكذا يظهر جليًّا مدى الخلل الذي أصاب هذا الجانب ومدى الإغفال الذي لقيه عند المسلمين.
من أين جاء الخلل؟:
هل جاء الخلل من جهة سوء الفهم لدى البعض لموقف الإسلام من الشعر أساسًا؟ والجواب أن هذا احتمال وارد؛ بل وقوي وله ما يفسره، فرغم ما كتب عن صلة الأدب بالإسلام إلا أن غيومًا من دعايات وشبهات أعداء الإسلام حول هذه القضية تركت آثارها في النفوس، ويمكن ملاحظة أعراض ذلك القصور، من خلال ملاحظة أن كثيرًا من النابهين من أصحاب التخصصات العلمية في الأصل، لم يتجهوا إلى الدراسات الأدبية عندما أرادوا خدمة الإسلام بالدراسات غير العلمية، وكثيرًا من الدعاة الذين كان لهم مساهمات أدبية جيدة في بداية حياتهم انصرفوا عن الأدب والشعر، وكأن ذلك يزري بهم، فإذا كان ذلك هو حال من يفترض فيهم أنهم الموجهون لسير الدعوة فكيف غيرهم؟ وهنا لا بد أن نسأل ما مدى صحة وسلامة هذا الموقف؟ لنرى أولًا ما هو موقف الكتاب والسنة في الشعر والأدب بشكل عام.
موقف القرآن والسنة من الشعر والأدب:
قال تعالى عن الشعراء: (والشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الغَاوُونَ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ، وأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لا يَفْعَلُونَ، إلاَّ الَذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وانتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا وسَيَعْلَمُ الَذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ) وإذًا فهذا هو القرآن الكريم، قد هاجم بعنف الشعراء المناوئين للدعوة الإسلامية وشنع عليهم، وفي الوقت نفسه أشاد بالشعراء المؤمنين، وأشار إلى أوصافهم وأنهم يعملون الصالحات ويذكرون الله كثيرًا وينتصرون بعد ما ظلموا، وأنهم لا بد أن يقوموا بواجب الجهاد بالكلمة.
وأما موقف الرسو صلى الله عليه وسلم فقد كان يحرض ويشجع من يرى فيهم ملكة الشعر لمواجهة الشعراء المحاربين للدعوة الإسلامية والأحاديث كثيرة في حض وتشجيع حسان بن ثابت وكعب بن مالك وعبد الله بن رواحة وغيرهم، الذين كانت ألسنتهم سيوفًا حادة في وجوه الكافرين ويدعو الرسو صلى الله عليه وسلم لبعضهم بأن يؤيده روح القدس إذا هو هجا الكفار.
وإذا كان ذلك هو موقف القرآن والسنة وموقف الصحابة من الشعر والشعراء، فقد يقال: فماذا عن بقية عناصر الأدب كالقصص والأمثال؟ واتباع الأساليب البلاغية والبيانية؟ فنقول: أما استخدام القرآن للقصة كأسلوب مؤثر وفعال في تبليغ الدعوة وغرس المفاهيم وتحليل مواقف أعداء الدعوة الظاهرة وصلتها بدخائلهم فذلك واضح لا يحتاج لبيان، بل إن أسلوب بعض القصص القرآني فيه كل عناصر القصة من عناصر التشويق وتصوير الشخوص واستخدام الحوار وحل العقدة في النهاية وانتصار الخير دائمًا مثل قصة (يوسف) عليه السلام.
وكذلك استخدام القرآن للأمثال وهو من ألوان الأدب.
وقد أُمر الرسو صلى الله عليه وسلم بأن يعظ الكافرين ويقول لهم في أنفسهم قولًا بليغًا.
والدعاة في كل عصر مأمورون بما أمر به الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام، ولا شك أن تأثير من له صلة بالأدب لأعمق وأبلغ في نفوس الجماهير ممن لا حظ له في ذلك، بل إننا نرى أن الجفاف في أسلوب بعض الدعاة من أسباب إعراض بعض الناس عنهم، يقول الأستاذ محمد قطب: (إن الأدب لا بد أن يكون في خدمة الدعوة، فإن أعداءنا يستخدمونه ضد الإسلام وأخلاقياته، وإن الآداب من أقوى الوسائل التي إن استخدمناها نكون قد أدينا واجبًا مهما) .
يعتبر الأستاذ أبو الحسن الندوي أن الأدب من أقوى العوامل في (الإفساد) أو (الإصلاح) ولذلك لا يجوز أن نفصل بين الأدب والأخلاق.
(1) وأخيرًا حصل صبي المبشرين لويس عوض على جائزة الدولة التقديرية في مصر.
(2) انظر:محمود شاكر: أباطيل وأسمار.
(3) الشاعر هو الشرفي والأديب هو الدكتور المقالح.