وفي الحديث المشهور"أن امرأة دخلت النار في هرة"قطة"حبستها لا هي أطعمتها وسقتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض".
وفي الحديث أيضاً"إذا قامت الساعة على أحدكم وفي يده فسيلة فليغرسها"أي لا يتركها تذبل وتجف بل يجب أن ينتفع بها المجتمع...
وجل عمل المنظمات الإسلامية من الطبيعي أن يكون بين منكوبين مسلمين لأن معظم المنكوبين في العالم هم من المسلمين. ومن البدهي أن المؤسسات الإنسانية لا تدخل منطقة حرب أو كارثة إلا بإذن من السلطات.
وهنا نصل إلى صلب التدخل السياسي المباشر في العمل الإنساني، ونسجل أن العمل الإغاثي الإسلامي وحده دون بقية المؤسسات يتعرض للضغوط السياسية التي تسعي لشله عن رسالته أو تعويقه أو طرده من مناطق عمله، وسط حملات إعلامية تلقي عليه بتهم الارهاب وغيرها؛ مع أن المنظمات الإغاثية الإسلامية كغيرها تعمل في مناطق عملها تحت إشراف السلطات وتؤمّن موادها من أسواقها وتسيَّر حملاتها عبر وسائل مواصلات منها، بل وتصل إلى مناطق عملها تحت حماية قوات من الدول المعنية.. أي أن عمل هذه المنظمات يقوم على الشفافية وتحت سمع وبصر الدولة.
في بداية الحرب الصربية ضد البوسنة عام 1991م، كنت شاهداً من خلال وجودي في مناطق الحرب على وجود منظمات إنسانية إسلامية عديدة من مصر والسعودية والكويت، كان دخولها شرعياً بموافقة الحكومة الكرواتية، وكانت تتخذ من زغرب العاصمة الكرواتية مقراً لها، وكانت المواد الإغاثية التي تقدمها للمنكوبين المسلمين تُشترى من السوق الكرواتي ومن شركات كرواتية، وكان توزيعها يتم تحت حماية الجيش الكرواتي المتحالف مع المسلمين في البوسنة في ذلك الوقت، وقد قامت تلك المنظمات بدور كبير في تقديم الدعم للمنكوبين المسلمين في البوسنة بما لقي ثناء الحكومة البوسنية، ثم كانت المفاجأة.. وهي إخراج هذه المنظمات والتضييق عليها بفعل تدخل السياسة الدولية، بل ومطاردة رجالها، بينما بقيت المنظمات الأخرى تمارس نشاطها.
في حرب الشيشان الأولى (1994م 1996م) ، والحرب الثانية (2000م حتى الآن) تحركت منظمات إغاثة إسلامية لإغاثة شعب الشيشان.
ودخلت هذه المنظمات تحت إشراف روسيا وبإذن منها لإغاثة اللاجئين والمهجَّرين، وكانت تشتري موادها الإغاثية من روسيا، وبإذن من أنجوشيا... لكننا فوجئنا بإغلاق معظم المنظمات الإغاثية على الأراضي الروسية ولم يسمح إلا لمنظمة الإغاثة الإسلامية فقط (مقرها لندن) .
ومن يتقصَّ السبب يجد أن السياسة الدولية وراء ذلك... لماذا؟ لا ندري؟!
ويبقى السؤال مطروحاً: لماذا يتم التضييق فقط على المنظمات الإسلامية التي تقدم إغاثة لشعوب إسلامية وحدها التي يضيق عليها وتصادر وتمنع، بينما يسمح لآخرين من كل الملل والدول!!.
في هذا الجو المشحون ضد العمل الاغاثي الإسلامي نجد حملات تشويه لهذا العمل بغية إخراجه من الساحة تماماً.
ففي 19-2-2000م كتبت جوديث ميللر صاحبة كتاب"لله تسعة وتسعون اسماً"مقالاً في صحيفة"نيويورك تايمز"تحذر فيه من مؤسسات العمل الإغاثي الإسلامي..
ولا ندري إن كان إغلاق المؤسسات الخيرية الإغاثية في الأراضي الفلسطينية بضغوط دولية يسير مع رسالة العمل الإغاثي الإنسانية.. بينما بلغت المساعدات الأمريكية لإسرائيل خلال 30 سنة، واحداً وستة من عشرة مليار دولار ( صحيفة الوطن السعودية 3-10-2002 وصحيفة ذي نيشن الأمريكية 7-10-2002) .
عولمة العمل الإنساني
وأود هنا أن أشير إلى نقطة مهمة، وهي أن عملية إخراج العمل الإنساني الإسلامي من الساحة الإغاثية والتي تجري على قدم وساق هي مقدمة لعولمة العمل الإنساني ودمجه في مشروع العولمة الاستعماري، وحرمان هذا العمل الدولي الإنساني من الاستقلالية التي يتمتع بها وتحويله إلى أداة يتم تحريكها في الوقت والمكان المناسبين وليكون تحت سطوة الجيوش يخدِّم على مشاريعها الاستعمارية بدل التخديم على الرسالة الإنسانية. وذلك خطر يبدو في الأفق على الصليب الأحمر وغيره من المنظمات الإنسانية المستقلة.
الخاتمة:
نحن مع تطوير العمل الإغاثي بصفة عامة وتصحيح أخطائه إن وجدت، وأن يتم توجيهه إلى وجهته الإنسانية فقط ومنعه من الانحراف بها إلى أي وجهة أخرى.
ومع منع التدخل السياسي والضغوط الحكومية لتوجيه العمل الإنساني نحو وجهة معينة تستغل في منافع سياسية أو كأوراق للمساومة والضغوط.
ونحن مع رفع الجهات والحكومات أيديها عن العبث في العمل الإغاثي.
ومن هنا أطالب بأمرين:
أولاً: أن تنهض منظمة الصليب الأحمر بالتعاون مع المنظمات الإنسانية الإسلامية وغيرها بعقد مؤتمر جامع للهيئات والمنظمات الإغاثية بصرف النظر عن مسمياتها لوضع لائحة تضم مقاييس وبنوداً واضحة للعمل الإغاثي تذلل العراقيل أمامه بما يقوي من نشاط العمل الإنساني.