فهرس الكتاب

الصفحة 4152 من 27364

ومنذ ذلك التاريخ والخطاب حول العولمة يتسع ويحث الدول تصريحاً أو تلميحاً على الانخراط في المنظمات الدولية التي تقف وراء وحدة"السوق"كالجات، و"منظمة التجارة العالمية"، والمؤتمرات الدولية التي تستهدف عولمة الفكر والثقافة والقيم كمؤتمر"البيئة"و"مؤتمر السكان"والمؤتمرات المعنية بقضايا المرأة.

والحقيقة أن الشركات المتعددة الجنسيات التي بسطت سيطرتها على كل أنحاء المعمورة هي التي تقف وراء هذا السعي الحثيث للارتقاء بأشكال وحدة السوق العالمية، وتمول النظريات التي تدعو باسم الحرية والليبرالية إلى حرية تنقل المنتجات والبضائع والرساميل والمهارات والتقنيات والأنواع المختلفة من المنتجات الاستهلاكية الموجهة إلى القارات التي تسكنها غالبية سكان العالم مستهدفة بذلك إدخالها بعنف إلى دوامة الاستهلاك، استهلاك نتاج هذه الشركات العملاقة.

وكون هذه الشركات متعددة الجنسيات لا يعني بتاتاً أنها ملك للإنسان ـ أي إنسان ـ على هذه الأرض، بل هي ملك للأغنياء، أغنياء أوروبا وأمريكا تحديداً.

أرقام ناطقة

ما من شك أن لوسائل الاتصال دوراً متقدماً في عولمة القيم والسلوك وتوحيد نمط العيش والتأثير في أذواق الناس وميولهم وخلق نفسية الاستهلاك لديهم وجعلهم أسرى منتجات الشركات متعددة الجنسيات، كما أن مما لا شك فيه أن لوسائل الاتصال الأكثر حداثة أكبر الدور في الترويج لقيم العولمة ويأتي في قمتها ـ أي الوسائل ـ شبكة الإنترنت، هذه الأخيرة تكاد تقع بالكامل تحت سيطرة الإنتاج الأمريكي واللغة الأمريكية، فحسب عدة دراسات تبين أن 88% من خدمات شبكة الإنترنت تبث باللغة الإنجليزية و2% فقط للغة الفرنسية.

كما أن أضخم وكالتين للأنباء في العالم أمريكتان وهما:"أسوشيتدبريس"و"يونايتدبريس".

80% من واردات التذاكر في دور السينما البريطانية تأتي من عرض أشرطة أمريكية، ونسبتها في فرنسا تبلغ 60%، أما الإنتاج السينمائي الأمريكي فقد فاق 75% من الإنتاج العالمي.

وتسيطر الولايات المتحدة الأمريكية على المنظمات الدولية بشكل شبه كامل، مثل البنك الدولي و"صندوق النقد الدولي"و"المنظمة العالمية للتجارة"، بل وحتى هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، كما بيَّن ذلك عديد من الوقائع، فهذه المنظمات جميعها"أمريكية الأصول أو النفوذ"بتعبير الأستاذ منير شفيق.

وفي عقد التسعينيات برز إلى الوجود ما يسمى بـ"المؤسسات التقييمية"وهذه المؤسسات عبارة عن جهاز شرطة يقف بالمرصاد لمن يتمردون على نظام العولمة، وذلك بالقيام بعمليات التأديب الاقتصادية، وإعطاء إشارات المرور أمام حركة الأموال والاستثمارات، ونجد على رأس هذه المؤسسات: موديز ـ أبيكا ـ ستاندر آنبورز.

إن هذه الوكلات ما هي إلا نوع"أجهزة مخابرات"جديدة تمارس عملية التغريب والترهيب وتقوم بالدور نفسه الذي كانت تقوم به أجهزة المخابرات التقليدية.

من أجل مقاومة فاعلة

إن الخطر ـ الذي أوضحنا طرفاً منه فيما سبق ـ الذي تمثله العولمة على الهوية الثقافية لدول العالم بصفة عامة وللعالمين العربي والإسلامي بصفة خاصة ليحث ذوي الضمائر على تنظيم مقاومة فاعلة لهذه العولمة ـ الأمركة.

1 ـ إن الوعي بالخطر هو الخطوة الأولى من أجل مقاومته، فما لم أعلم بأن هنالك خطراً يتهددني لا يمكنني أن أنخرط في المقاومة، ومن ثم فإن الخطوة الأولى على درب المقاومة هو نشر الوعي على أوسع نطاق، وبين أوسع الفئات الاجتماعية حول خطورة العولمة، وما تمثله من تهديد للقيم والدين والأسرة والحضارة وتدمير للإنسانية جمعاء. والخطباء والدعاة والمفكرون والصحفيون ورجال الفكر والثقافة، جميعهم مدعوون ـ كل حسب طاقته ـ للمساهمة في نشر الوعي حول ما يحيق بالعالم.

2 ـ المبادرة الذاتية: إن الوعي بخطورة العولمة سيؤدي حتماً إلى أشكال من المقاومة الشعبية، وسيكون لها أثر كبير في الصراع، فالفرد المسلم الواعي مثلاً يستطيع أن"يأخذ قراراً ذاتياً بأن يقاطع بضاعة الدولة التي يرى أنها تجاوزت الحد في الإساءة إلى مصالح الأمة""إنه الإنسان العادي الذي عبَّر وهو يعلق على الأخبار أو حين يسمعها عن استيائه من هذا الموقف أو ذاك، فالمطلوب أن يتبع قراره ذلك بقرار ذاتي، أن يفعل شيئاً قد يبدو أنه فردي ومعزول ولا قيمة له وغير مؤثر، لكنه إذا ما أصبح نهجاً يمارسه الكثيرون، بل حتى القلة النسبية فيصبح عملاً مؤثراً يضرب في عصب الدولة المعنية، ولاتستطيع أن تتجاهله مهما كانت قوية وغنية وتجارتها رائجة"، والمشكلة هنا أن يقتنع الفرد بفاعلية خطوته حتى ولو لم تأخذ شكلاً جماعياً مادام ذلك متعذراً، فعندما يقتنع أفراد قليلون بأن يمارسوا المقاطعة ويتسموا بالنفس الطويل، ستبدأ الفكرة بالانتشار حتماً" (1) ."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت