فهرس الكتاب

الصفحة 4156 من 27364

خامساً: أصبحت العوامل الخارجية أكثر تشابكاً وبنيوية مع الواقع الإفريقي إزاء تطور النظام المركزي في العالم من الدولي إلى العولمة اقتصادياً وتشريعياً، وذلك مع استفحال دور المؤسسات المالية والشركات عابرة الدول والحكومات، ومع عسكرة القطب الأوحد لآليات الهيمنة.

ثم التفت الباحث نحو التاريخ بحثاً عن إجابات حول الواقع المدمر الذي تعيشه القارة، وذلك لمحاولة الخروج من المأزق، ودائرته المأساوية بسبب التاريخ الاستعماري لإفريقيا كعامل خارجي فرض بنية اقتصادية تقوم على محاصيل نقدية عدة في أنحاء مختلفة تحاصر عملية تقسيم العمل، وتنسيق الإنتاج وتحاصر عملية التكامل الاقتصادي، وتحرم الشعوب من أوليات الاكتفاء الذاتي الغذائي، حيث خصصت إفريقيا لتمد السوق"العالمية"بالقطن والبن والكاكاو والفول السوداني والشاي على سبيل المثال برغم أن هذه المحاصيل لاتمثل استجابة لحاجة غذائية مباشرة لشعوب القارة، ومثل ذلك يقال عن تعدين الذهب، والماس، والبترول... إلخ، وكذلك واقع البنية التحتية في البلدان الإفريقية، إذ تم نتيجة لذلك عملية دمج كاملة لمصير الشعب الإفريقي بالسوق العالمي منذ قرنين على الأقل، وفي مواقع من القارة منذ خمسة قرون نتيجة الاستيطان في الجنوب الإفريقي كله.

ثم تساءل الباحث: فأي سياسة يمكن تصورها الآن بعد هذا الإلحاق؟

وأجاب قائلاً: لا نتصور إلا صراعات حول لقمة العيش البسيطة أو صراعات النخبة من أجل أنماط الرفاهية المستوردة.

الفساد.. والثروات

ثم انتقلت الورقة إلى الحديث عن بنيوية العامل الخارجي في الصراعات والحروب الأهلية في عدد من الدول الإفريقية ومدى ارتباطه بالبنية الاقتصادية والاجتماعية فضلاً عن السياسية، وعن علاقة الانهيار الصومالية بادئاً بالحرب الباردة حول إثيوبيا ووصولاً للحاجة إلى مناطق لدفن النفايات الذرية امتداداً إلى الأسباب الأولى لصراع ليبيريا وسيراليون، ثم الإشارة إلى دور الشركات البترولية الفرنسية والأنجلو أمريكية في الصراع حول الكونغو ثم الماس والذهب في منطقة البحيرات العظمى، وأخيراً: الأرض والصراع في زيمبابوي، وجذور هذه المشكلات في دعم النظم العنصرية (والأبارتهايد) لقرون عدة لأسباب اقتصادية عالمية أكثر منها محلية، مروراً بحالات الانفصال في كل من إقليم كاتنجا بزائير سابقاً، وبيافرام بجنوب نيجيريا، فتساءلت الورقة عمن يدعم هؤلاء اللوردات، وأمراء الحرب، والصراعات أو من يشكل لهم بيئة التعامل، والاستقرار على ما هم عليه من مواقف التصارع؟

كما أشارت الورقة أيضاً إلى أن عملية الاتجار في الماس أدخلت أطرافاً ليست عالمية بطبعها، لكن تركز ضدها التقارير التي تمتد من الكيان الصهيوني حتى التوجو، وساحل العاج ولبنان أيضاً.

وركزت الورقة أيضاً على ظاهرة عولمة الفساد، وقالت: إن كثيراً من آليات الفساد أصبحت مؤسسات فساد إذ حولت مؤسسات عسكرية كبيرة إلى مؤسسات اجتماعية تتسم أساساً بالفساد، كما حولت أحزاباً وقيادات لقطاع الدولة أو القطاع العام إلى كبار المفسدين، وكلها اعتبارات داخلية لاتنكر، ولكن يجذب النظر أن معظم مظاهر الفساد بهذه الحرية في الحركة للخارج أكثر من كونها مجرد ظاهرة اجتماعية داخلية محدودة أو تتعلق بأحكام التنظيم الاقتصادي الوطني.

ثم تساءل: كيف أصبحت الودائع الفردية الإفريقية بالبنوك الأوروبية تزيد على 300 أو 400 مليار دولار، ومن دولة واحدة أحياناً ـ أكثر من 50 ملياراً؟ وكيف صار بعض الأفراد يملك بالخارج أكثر من عشرة مليارات وليست كل إفريقيا بترولية أو منتجة للماس والذهب؟!

وأكدت الورقة أن إفريقيا مطالبة بصياغة مفاهيمها الخاصة حول ما هو"دولي"وما هو"عولمي"قبل أن تمضي وقتاً طويلاً في الطريق الصعب للاندماج كما يصفه بعض منظري العولمة.

أزمة الاندماج الوطني: ثم تحدث الدكتور إبراهيم نصر الدين ـ أستاذ العلوم السياسية وخبير الشؤون الإفريقية بمعهد البحوث والدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة ـ عن تفسير ظاهرة الحروب الأهلية في إفريقيا ذاكراً بعض الأسباب وأهمها:

1 ـ العوامل ذات الطبيعة الداخلية الاقتصادية، مثل: ارتفاع معدل النمو السكاني والتزايد السريع في عدد الشباب الوافد إلى سوق العمل، ونقص الأرض الصالحة للزراعة، وعدم عدالة التوزيع في الدخول.

2 ـ في مواجهة المقولة السابقة والتي ترد أسباب الحروب الأهلية إلى عوامل داخلية، ظهرت مقولة أخرى تردها إلى عوامل دولية ومفادها: أن انتهاء الحرب الباردة كان بمقدور كل معسكر أن يقدم العون لحلفائه لتحقيق الاستقرار ولو بالقوة لتحقيق مصالحه، كما أن كل معسكر كان قادراً على ضبط سلوك حلفائه بشكل لايسمح لهم بتصعيد الصراع الداخلي إلى الحد الذي يقود إلى مواجهة بين القوى الكبرى أو يقود إلى حرب أهلية طاحنة، وما إن انتهت الحرب الباردة لم تعد هناك حاجة لمساندة الحلفاء في دول العالم الثالث فوجدت الأنظمة التسلطية نفسها دون سند دولي من جهة ودون ضابط يضبط إيقاع سلوكها من جهة أخرى، فغالت في استخدام القمع ضد المعارضة أفراداً أو جماعات.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت