فهرس الكتاب

الصفحة 4783 من 27364

وإذا كان مقياسها"المؤسسات"والتنظيمات وحسن الإدارة والسهر عليها فالمدارس التي تقدم التعليم المجاني ، والمستشفيات التي تقدم العلاج المجاني ، والأوقاف الموقوفة على أعمال البر ، ودواوين الجيش ، ودواوين القضاء ، ودواوين المظالم ، ودواوين الحسبة ، وبيت المال وغيرها من المؤسسات والتنظيمات تغنينا عن الحديث .

وإذا كان مقياسها القيم الروحية والأخلاقية ، فهنا تنفرد العمارة الإسلامية للأرض بأنها هي التي قدمت حضارة لا تكتفي بالعمارة المادية للأرض ، إنما ربطت نشاطها المادي بالقيم الروحية ، فعملت للدنيا والآخرة في آن واحد ، وأرضت مطالب الجسد ومطالب الروح في آن واحد ، وكونت مجتمعاً امّحت فيه فوارق اللون واللغة والجنس ، واجتمع على العقيدة الواحدة التي تربط الجميع برباط الأخوّة في الدين .. مجتمعاً فريداً في التاريخ .

وإذا كان مقياسها إحساس لإنسان بذاته ، واعتزازه بعمله ونشاطه ، وبأنه فرد في أمة ذات رسالة تؤديها لنفسها وللبشرية ، وانسياح الإنسان في الأرض وبحثه في مجاهلها ، وحمله نور الهداية إلى أطرافها .. فقد قامت الأمة الإسلامية بذلك أروع قيام .. وكان نشاطها كله منبثقا من إيمانها بهذا الدين ، وممارستها له في عالم الواقع في شكل سلوك ووجدانات ومشاعر .

وإذا كان مقياسها التقدم العلمي فحدث عن ذلك ولا حرج .. وتكفي حضارة الأندلس شاهدا ، ويكفي المنهج التجريبي في البحث العلمي شاهداً ، وتكفي علوم القرآن وعلوم الحديث وعلوم الفقه وأصوله .. وكلها جهود ذاتية غير مسبوقة ، تفردت بها الأمة الإسلامية ، وأنتجت فيها في قرون معدودة ما يغطي حقباً من التاريخ !

وأما تحقير الإنسان بدعوى تمجيد الله .. فما من دين عظّم الله ومجده على استقامة في المشاعر وفي السلوك وفي التصور وفي الأداء كما فعل الإسلام ، إذا قارناه بتصورات اليهودية المحرفة التي تصور الله سبحانه وتعالى كأنما هو بشر ذو نزوات ، وكأنما هو - في بعض الأحيان - أعجز من البشر:

( وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ ) (1) .

( لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ ) (2) .

وذلك فضلا عن ترهات التوراة فيما يتعلق بمقام الله ، مما تتقزز النفس من مجرد تصوره ..

وإذا قارناه كذلك بتصورات النصرانية المحرفة التي زعمت لله ولدا ، وأشركته معه في الألوهية ، بل أشركت كذلك روح القدس ( جبريل عليه السلام ) معهما ليصير المجموع ثلاثة ، والثلاثة واحد .. آمين ! !

ومع كل التعظيم الحق لله ، والتمجيد لذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله ، فقد كرّم الله الإنسان ، ولم يعتبره خاطئا"خطيئة أزلية"تتحملها كل أجيال البشرية على السواء ! !

قال تعالى ( وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً ) (3) .

كرمه تعالى بأن سواه بنفسه ونفخ فيه من روحه وأسجد له الملائكة:

( إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ ) (4) .

وكرمه بأن جعله خليفة في الأرض:

( وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ) (5) .

وكرمه بأن علمه الأسماء كلها ، وميزه بهذا التعلم على الملائكة:

( وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ .. ) (6) .

وكرمه بأن أعطاه القدرة على التعلم بالقلم:

( اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ) (7) .

وكرمه بأن وهب له العقل المفكر ، ووكل لهذا العقل تدبر الوحي ، وفهم مراميه وتطبيقه في واقع الحياة ، والاجتهاد فيما لم ينزل فيه نص - رحمة من الله غير نسيان:

( وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ) (8) .

وكرمه بأن خلقه في أحسن صورة ، ورزقه من الطيبات:

( وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ .. ) (9) .

(1) سورة المائدة [ 64 ] .

(2) سورة آل عمران [ 181 ] .

(3) سورة الإسراء [ 70 ] .

(4) سورة ص [ 71 - 72 ] .

(5) سورة البقرة [ 30 ] .

(6) سورة البقرة [ 31 - 33 ] .

(7) سورة العلق [ 3- 5 ] .

(8) سورة النحل [ 78 ] .

(9) سورة غافر [ 64 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت