فهرس الكتاب

الصفحة 4794 من 27364

في كتاب"حول تطبيق الشريعة"ناقشت بعض الدعاوى التي يثيرها العلمانيون في فصول تحمل هذه العناوين:"هل تنفصل العقيدة عن الشريعة في دين الله ؟""هل لولي الأمر أن يتصرف في أحكام الشريعة بحسب الأحوال""شبهة التطور وعدم صلاحية الشريعة للأحوال المستجدة""شبهة تعارض أحكام الشريعة مع مقتضيات الحضارة الحديثة ووجوب الأخذ بمعايير الحضارة دون الشريعة""شبهة عدم إمكان تطبيق الشريعة بسبب وجود الأقليات غير المسلمة""شبهة عدم إمكان تطبيق الشريعة بسبب الدول العظمى وضغطها على العالم الإسلامي".

وفي الندوات الأخيرة التي أقيمت بين العلمانيين والإسلاميين أثار العلمانيون بعض الدعاوى التي لم يرد ذكرها في كتاب"حول تطبيق الشريعة"لا تقل سخفاً عنها وبعداً عن الموضوعية و"العلمية"، نتعرض لأبرزها في هذا الفصل ، لا لأنها تستحق الرد في ذاتها ، ولكن لبيان عدم موضوعيتها ، وبيان جانب المغالطة فيها .. وإذا كان القرآن الكريم قد ورد فيه الرد على دعوى اليهود بأن يد الله مغلولة ، وأن الله فقير وهم أغنياء ، على كل ما في الدعوى من جهل وسخف وتوقح على مقام الألوهية ، فلا بأس علينا أن نبين مدى بُعد دعاوى العلمانيين عن الجدية اللازمة"للبحث العلمي !"ومدى بعدها عن الصواب .

من تلك الدعاوى أنه لا شيء في الواقع يسمى"تطبيق الشريعة"! فالذي يطبق بالفعل ليس هو الشريعة الربانية ، إنما هو فهم البشر للنص الوارد في الشريعة ، ومن ثم فهو تشريع بشري في الحقيقة ! ولكنه - رغم بشريته - يزعم لنفسه قداسة مستمدة من الوحي الرباني ! ويهدد بهذه القداسة من يعارضه فيتهمه بأنه خارج على الدين ! بينما التشريع البشري الخالص ، الذي يصنعه البشر بأنفسهم غير مستندين فيه إلى الدين ، لا قداسة له عند واضعيه ولا عند معارضيه . ومن ثم يناقش بحرية ، ويعدل أو يلغى إذا اقتضت الضرورة بغير تحرج ولا خوف ! وعلى ذلك فالأولى عدم تطبيق الشريعة ، وترك البشر يشرعون كما يحلو لهم ، ويعدلون ويبدلون ، دون خوف في صدورهم ، ولا اتهام لهم بالمروق من الدين !

وكأنهم حين يصنعون ذلك لم يمرقوا من الدين ! !

أي لعب بعقول الناس - بدعوى الموضوعية والعلمية - أشد من هذا اللعب وأسخف من هذا اللعب ؟

إن اختلاف الأفهام حقيقة .. واختلاف الاجتهادات حقيقة ، وخاصة فيما لم يتنزل فيه نص ..

ولكن من يقول - مهما اختلفت الأفهام واختلفت الاجتهادات - إنه لا فرق بين الاجتهاد المنضبط بالضوابط الشرعية والاجتهاد المنفلت من كل ضابط إلا أهواء الناس التي يسمونها"المصلحة"رياء وذرًّا للرماد في العيون ، وهي مصلحة فريق معين من البشر يعيثون في الأرض فسادا ، ويريدون أن يستحمروا"الأمميين"لحسابهم الخاص ؟ !

إن الاجتهاد المنفلت من كل ضابط إلا أهواء الناس ، والمتغلف بالمصلحة رياءً وذرًّا للرماد في العيون ، قد أباح الربا ، وأباح الزنا ، وأباح الفاحشة الشاذة ، وأباح الإلحاد بمعنى إنكار وجود الله وإنكار التصورات الدينية على الإطلاق ، وأباح لخمس دول بأعيانها أن ترفض الإذعان للحق حين يحيط بها الحق من كل جانب ، برفع إصبع واحدة من يد مندوبها في مجلس الأمن ، فيخضع الجميع ويذعنون للظلم البيّن ، وأباح لدولة بعينها - باسم النظام العالمي الجديد - أن تنزل قواتها في أي بقعة في الأرض تزعم أن فيها ما يخالف"القيم والمبادئ ! !"فتقتل أهلها وتخرب أرضهم وديارهم وتتلقى الشكر العالمي على ذلك .. وأباح .. وأباح .. وأباح .. وجعل ذلك كله شرعا مرعيا تحميه الدولة أو الدول ذات الشأن بسلطانها وجيوشها ! !

هل يمكن أن يحدث ذلك في الاجتهاد المنضبط بالضوابط الشرعية ؟ !

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الربا (1) ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الزنا ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الفاحشة الشاذة ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا الخمر ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا تعري الرجال والنساء على شواطئ البحار ؟!

يختلف الفقهاء ما اختلفوا .. فهل يمكن أن يحلوا لوسائل الإعلام - أو لأيٍّ كان - أن يهاجم الدين ، أو ينكر معلوماً من الدين بالضرورة ، أو يحرض على معصية أوامر الله ؟

(1) يكثر جدل"العصريين"المتأثرين بثقل الأمر الواقع في كون بعض المعاملات كالسندات التي تصدرها الدولة داخلة في الربا المحرم أم غير داخلة فيه ، ولكن أحدا من هؤلاء لا يجرؤ على تحليل الربا من حيث المبدأ .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت