فهرس الكتاب

الصفحة 480 من 27364

بتاريخ 27 مايو 2002م نشرت جريدة اللوموند الفرنسية ملفًا عن حرب الإنترنت، وهي الحرب التي فعلًا انطلقت منذ أثر من عشرين سنة، وتوسعت منذ أحداث 11 سبتمبر2001م، بحيث تحولت من حرب معلوماتية إلى حرب تدميرية كان الهدف الأساسي منها احتكار"سوق الإنترنت"عبر مجموعة من المواقع التي رأت النور بعد ذلك التاريخ الأسود من أيلول 2001م، بحيث إن أكثر من 58% من المواقع التي ظهرت كانت في الحقيقة فروعًا مؤكدة من أجهزة الاستخبارات للعديد من الدول أهمها الولايات الأمريكية وإسرائيل، تليهما بريطانيا وألمانيا وفرنسا وإيطاليا.. لم يكن المغزى من المواقع (ذات الوجهة الشبابية) اكتشاف العالم من جديد، ولا اختصار المسافة بين الشمال والجنوب لتقريب الدول والمسافات، بل كان الهدف منها قراءة أخرى لواقع الحرب الجديدة التي تفجرت والتي يسميها أكثر من 90% بالحرب على الإرهاب.

ربما من الصيغة الأحادية المصدر فإن الإرهاب ارتبط للأسف الشديد بجملة من التشويهات الإعلامية التي مورست ضد دول العالم، لإغراقها في الفقر ولإلصاق تهمة الإرهاب بها مرتين؛ مرة لأنها ضعيفة وفقيرة ومرة لأنها فعلًا تحمل رؤى مختلفة عن رؤى الاستغلال الرأسمالي الغربي، ونمط الفكر الغربي الاستهلاكي، لهذا كان الإعلام الأمريكي في السبعينات ينظر إلى دول الجنوب نظرة حربية مازالت مستمرة إلى اليوم، وإن توسعت لتشمل دول وأعراق أخرى.

ما تحقق على مستوى الشبكة المعلوماتية لم تحققه ربما أكبر الحروب المباشرة. لقد تغير العالم فعلًا يقول الكاتب الأمريكي"رونالد ماكرو"في كتابه"عشرة أعوام لكسب الرهان"والذي يتناول فيه وبشكل مباشر الدور الرهيب الذي لعبه الإنترنت في الكثير من المواقع الترفيهية التي كانت تخفي خلفها أسماء عسكرية رهيبة. مجلة"لاتريبون"الفرنسية عرضت في عدد213 أن ضابط الاستخبارات الإسرائيلي"أدون وردان"المعروف في الوسط المخابراتي داخل وخارج إسرائيل هو نفسه"دانيال دوميليو"الذي أطلق موقع"شباب حر" (jeunesselib r e) الذي استقطب أكثر من 10 مليون زائر في سنة انطلاقته عام 2003م.

وكان هذا الموقع (الذي توقف فجأة بعد أن كشفت صحيفة الصنداي شخصية مؤسسه) كان هذا الموقع من أهم مواقع التعارف والكتابة الحرة التي كان يعبر فيها ملايين الشباب عن"غضبهم"من حكوماتهم، وبالتالي كان ثمة ضباط من العديد من الدول الذين"اعتقدوا"أنهم يؤدون مهمة إنسانية بالكشف عن أسرار عسكرية في غاية الخطورة، منها ضباط من كوت ديفوار نشروا وثائق خطيرة عن الوضع الأمني الذي تم استغلاله من قبل المخابرات الإسرائيلية في السنة الماضية ل"معاقبة فرنسا"على موقفها"السلبي"من الحرب على العراق، يقول"دونالد ماكرو"بالحرف الواحد.. لقد لعب الإنترنت المهمة الأخطر على المستوى العسكري، إذ إن مجرد السؤال في حوار عادي عن الوضع السائد في البلد الفلاني لم يعد بريئًا، لكن ثمة أخصائيون يجيدون طرح الأسئلة بتفادي طرحها بشكل مباشر، ولإجبار الطرف الآخر على طرحها.. فقد كانت دولة مثل إسرائيل في الستينات والسبعينات تصرف الملايين من الدولارات كرواتب لعملاء تعمل على تدريبهم وبالتالي على تهيئتهم للأعمال المطلوبة منهم.

كان عالم الجواسيس دائمًا محاطًا بنفس الهالة الرهيبة والمخاطر التي نجحت السينما الأمريكية في صياغتها. الجاسوس أو العميل هو نفسه الخائن في كل اللغات، هو الشخص الذي يعي أنه يختار الجهة المضادة لأسباب مادية وأحيانا ثأرية، وهؤلاء يفعلون ذلك عن مغامرة وعن سقوط إرادي، لكن الذي يجري أن"العميل"الراهن لا يعرف الدور الذي يقوم به. لا يعرف أنه يخون ويبيع أسرار بلده. لا يعرف أنه ضحية حوار غير برئ، ولا يعرف أن كل كلمة يقولها تمر على عشرات المحللين النفسانيين وأنه هو في الأخير فأر تجارب في عالم متناقض ومشبوه. لهذا من الصعب جدا تفادي"كارثة الإنترنت"يقول أكثر من رأي، من الصعب تفادي"كارثة الشات"؛ لأنه يبقى هو العالم المغري لملايين من الشباب بالخصوص الذين يبلغون أقل من عشرين سنة، ولهم ثقافة حياتية وفكرية جد محدودة، بحيث إنهم لا يهمهم سوى الكلام في أشياء"محظورة"مع شخص يعتقدونه جنسًا لطيفًا! يقول"مايكل هيجل"في مجلة"بون"الألمانية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت