فهرس الكتاب

الصفحة 4856 من 27364

بقي أن نتساءل: ألم تتحول علمانية مراد وهبة إلى مطلق هي أيضاً ينفي المطلقات الأخرى؟ فإذا قرر هو وشيعته أن"العلمانية هي الحل"، وقرر المسلمون بشكل مطلق أن"الإسلام هو الحل"، وقررت إسرائيل أن"التلمود هو الحل"، أفلا تدخل العلمانية هنا طرفاً جديداً فيما يسميه"صراع المطلقات"، وبالتالي فإن أية رؤية تُطرح على أنها الحل هي بنظر أصحابها مطلق على الآخرين أن يرضخوا لها، وهكذا فإنه لا خلاص من المطلق، ولا بد من مطلق واحد تذعن له كل الأطراف المعارضة.

ونتساءل مرة أخرى: هل حربنا مع إسرائيل هي حرب مطلقات؟ في الواقع لا، لأننا نحن لا نحارب إسرائيل لندخلها في مطلقنا الإسلامي، وإسرائيل لا تحاربنا لتدخلنا في مطلقها اليهودي، نحن نريد أن نستعيد أراضينا المغتصبة في إطار وعود ومؤامرات دبرت على مرأى ومسمع من كل العالم، ونريد أن يعود الشعب المشرد الطريد في كل بقاع العالم إلى أرضه ودياره، ويريد الشعب المضطهد المقموع أن يتخلص من الاضطهاد والقمع، ويتمتع بحريته وكرامته واستقلاله، فأين المطلقات في هذا الصراع؟ وإذا كانت حربنا مع إسرائيل حرب مطلقات، فإن هذا يعني أنه لا يوجد خلاف بين شخصين في محكمة إلا ويمكن تسميته أيضاً"صراع مطلقات"، وأن الإنسان الذي يأتي ليغتصب منزل مراد وهبة أو يعتدي على أسرته أو حتى على حياته، على مراد وهبة ألا يدافع عن نفسه -طبقاً لعلمانيته أو لنسبيته- حتى لا يدخل في صراع المطلقات.

ولكن الأمر المستغرب في هذا العصر عصر الغرائب أن الضحية التي تُذبح وتُخنق هي التي توصم بالعنف والإرهاب والعدوان، أما الجاني فهو داعية الحرية والديمقراطية ورافع لواء التحضر، وراعي السلام! أرأيت لو أن شخصاً قام يخنق شخصاً آخر، وبالطبع فإن المخنوق سوف يدافع عن نفسه بأظافره وأسنانه، وربما يتسبب في بعض الخدوش التي تلحق خانقه، أرأيت لو أن الجاني قام بعد أن يفرغ من ضحيته وعقد مؤتمراً رام فيه أن يقنع الناس بأن الضحية كان إرهابياً عنيفاً عدوانياً، لماذا؟ بسبب هذه الخدوش والجروح التي لحقت به!. أليست هذه مهزلة؟

إن هذا ما يحدث اليوم في غابة البشر، ولكن لا عليك فنحن في عصر المهازل!.نحن أمة تُذبح وتُباد وتُخنق وبدلاً من أن يتصايح أبناؤها للجهاد، وينفروا خفافاً وثقالاً بأموالهم وأنفسهم، تجد دور النشر ومؤتمرات الحوار ورهط كبير من الباحثين يدعون إلى اللاعنف، واللاإرهاب، واللاعدوان!!.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت