فهرس الكتاب

الصفحة 4900 من 27364

وكان منهم من يؤمن بالبعث والحساب، كقول زهير: يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ليوم حساب، أو يعجل فينقم [5] وكذلك كان لدى الجاهليين العرب بعض الشعائر التعبدية، منها: تعظيم البيت الحرام، وطوافهم حوله، ووقوفهم بعرفات، وتعظيم الأشهر الحرام.

وكذلك ذبحهم ونذرهم لله كما في قصة نذر عبد المطلب، وإهدائهم للبيت الحرام، آ وتخصيص شيء من الحرث والأنعام لله، (وجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحَرْثِ والأَنْعَامِ نَصِيباً) [الأنعام: 136] .

ومن الناحية التشريعية: كانت الجاهلية العربية تقيم بعض الحدود، كحد السرقة، فقد ذكر الكلبي، والقرطبي في (تفسيره) : أن قريشاً كانت تقطع يد السارق [6] ، وهو حد معروف في الشرائع السابقة- كما في حديث المخزومية وشفاعة زيد لها-، وشيء آخر سبقت -بل فاقت- به الجاهلية العربية الجاهليات اللادينية المعاصرة وهو: (حرية التدين) ، فكان منهم الحنفاء الذين يتعبدون ببقايا دين إبراهيم - عليه السلام -، وكان منهم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، وكان منهم عبدة الكواكب، وعباد الأوثان، وبعضهم كان يعبد الجن أو الملائكة.

موقف الإسلام من الجاهليات بأنواعها: ولكن -وهذا هو المهم-، بماذا حكم الله على هذا المجتمع؟ إن الله - تعالى -حكم على هذه البيئة وعلى الواقع الأرضي حينئذ بأنها كفر وجاهلية، وعد تلك الأمور جميعهاً صفراً في ميزان الإسلام، ولذلك نشبت المعركة الطويلة بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واشتد النزاع، معركة شرسة ونزاع حاد، حتى أن السيف كان الحكم الأخير.

والشيء المثير أيضاً: أن موضوع هذه المعركة العنيفة الطويلة لم يكن سوى كلمة واحدة، هي كلمة: (لا إله إلا الله) ، كلمة يصر عليها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى أقصى حدود الإصرار، وترفضها الجاهلية إلى أبعد مدى للإنكار والرفض.. لماذا ؟.. لأنه منذ اللحظة الأولى حين دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى شهادة (أن لا إله إلا الله) ، كان الجواب الفوري: (أَجَعَلَ الآلِهَةَ إلَهاً واحِداً إنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ) [ص: 5] ، فالقضية واضحة في أذهانهم: إن الالتزام بهذه الكلمة معناه الرفض الجازم والتخلي الكامل عن كل ماعدا الله من معبوداتهم وطواغيتهم المختلفة، طاغوت الأوثان وطاغوت الزعامة وطاغوت القبيلة وطاغوت الكهانة وطاغوت التقاليد.. الخ، والاستسلام الكامل لله ورد الأمر كله؛ جليله وحقيره وكبيره وصغيره.. إلى الله - تعالى -وحده لا شريك له.

كذلك فإن بيننا اليوم -ممن يقولون: إنهم مسلمون- من يستنكر وجود صلة بين العقيدة والأخلاق وبخاصة أخلاق المعاملات المادية..

وبيننا اليوم حاصلون على الشهادات العليا من جامعاتنا وجامعات العالم يتساءلون أولاً في استنكار: ما للإسلام وسلوكنا الشخصي؟ وما للإسلام والعري على الشواطئ؟ وما للإسلام وزي المرأة في الطريق؟ وما للإسلام وتصريف الطاقة الجنسية بأي سبيل؟ وما للإسلام وتناول كأس من الخمر لإصلاح المزاج؟ وما للإسلام وهذا الذي يفعله (المتحضرون) ؟، فأي فرق بين هذا وبين سؤال أهل مدين: (أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا) [هود: 87] .

وهم يتساءلون ثانياً، بل ينكرون بشدة وعنف أن يتدخل الدين في الاقتصاد، وأن تتصل المعاملات بالاعتقاد، أو حتى بالأخلاق من غير اعتقاد..

فما للدين والمعاملات الربوية؟ وما للدين والمهارة في الغش والسرقة ما لم يقعا تحت طائلة القانون الوضعي؟ وما للدين والسياسة والحكم؟، لا بل إنهم يتبجحون بأن الأخلاق إذا تدخلت في الاقتصاد تفسده! ! فلا يذهبن بنا الترفع كثيراً على أهل مدين في تلك الجاهلية الأولى؛ ونحن اليوم في جاهلية أشد جهالة، ولكنها تدعي العلم والمعرفة والحضارة، وتتهم الذين يربطون بين العقيدة في الله والسلوك الشخصي في الحياة والمعاملات المادية في السوق والسياسة والحكم..

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت