فهرس الكتاب

الصفحة 4951 من 27364

وهذا ما نقوله تماماً: إن الإغريق ظلوا بيحثون عن مصدر آخر للحقيقة بعيداً عن هذا الجو الديني الأسطوري الدنس الذي اتسمت به الحضارة الإغريقية. ولم يكن من المعقول أن يذهب الفلاسفة الذين وضعوا أسس الحضارة في التفكير الغربي مثل ديمقريطس وأرسطو وأبيقور ـ أن يذهبوا إلى عرَّافة دلفي (أحد أهم المعابد الإغريقية) ليسألوها عن ماهية حقائق الكون أو حتى عن حقيقة الدين نفسه حتى تروح في غيبوبة وتجيب عن تساؤلات شتى. فالديانة اليونانية لم يكن بها أي قدر من المعقولية أو القداسة، وما كان للفلاسفة سوى أن يعتمدوا على عقولهم وخبراتهم الواقعية في العمل على إدراك حقائق الوجود، وإدراك حقيقة الدين نفسه. وسواء نتج عن ذلك فلاسفة ملحدون أو فلاسفة مؤمنون فإن طريق الإبستمولوجي (المعرفي) لإدراك ذلك كان مستقلاً عن الديانة اليونانية؛ فحتى الذين ذهبوا منهم إلى الإيمان بوجود إله فإنهم ذهبوا إلى ذلك من خلال تصوراتهم، بل ومن خلال هذه التصورات العقلية حددوا تصورهم للصفات الإلهية؛ بل إن التصور الأرسطي بالذات للإله الذي لا ينشغل بالعالم وإنما بتأمل ذاتي لا نهاية له هو الذي ترك بصماته في الفكر الديني الفلسفي لدى الغرب. ونحن نتحدث هنا عن التيار الأصيل في الفلسفة الإغريقية أي تيار الفلاسفة الذين نشؤوا بين أناس يعتقدون بالعقيدة الأوليمبية، ومن ثم كان رفضهم لها وهو تيار الأيونين والإيليين والسوفسطائيين والأرسطيين والأبيقوريين. بخلاف تيار ضئيل لم ينعكس تأثيره كبيراً على الفلسفة الغربية الحديثة، وهو التيار الصوفي الذي يمثله الفيثاغورثيون (نسبة إلى الفيلسوف والعالم الشهير فيثاغورث) الذين تأثروا كثيراً بالحضارة الهندية.

* العلمانية هي السمة الرئيسة التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير:

وعلى ما سبق فإن السمة الرئيسية التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير الاقتصار على العقل البشري وخبراته فقط في معرفة الحقيقة وتجريد الوعي البشري من أي معرفة دينية للحقيقة أو بقول آخر البحث عن ثمار الحقيقة في غير شجرة الدين تماماً إلى الأبد.

إن عقولهم غُلف عن الاقتناع بأنه من الممكن أن يكون هناك شيء يسمى وحي يتدخل من خلاله في شؤون العالم، ويصطفي أحداً من خلقه ليقوم بمهمة إبلاغ رسالته إليهم. إنهم لا يستطيعون أن يقبلوا بأن هناك شيئاً سيهبط من السماء إلى الأرض ليشق نسيج الحياة الرتيب الذي ينسج حياتهم، ويكشف لهم عن حقيقة الوجود، ويحدد لهم الدستور المعيشي الذي ينبغي أن تكون عليه حياتهم وعبادتهم.

وهذا هو المعنى الحقيقي للعلمانية الذي لا يسمح لشيء آخر غير العقل أن يتدخل أدنى تدخل في حياة الإنسان وتصوراته، ولا يترك حتى للدين نفسه أن يحدد موقعه من تلك الحياة، بل هي ـ لو أرادت ـ التي تسمح بهذا التدخل الذي تقوم بتحديد نطاقه الضيق للدين؛ بحيث يتحتم عليه عدم الخروج منه.

وهذا الذي نقوله عن كون الواقع الفكري للعلمانية هو في الأصل السمة الأساسية التي تحكم الطريقة الإغريقية في التفكير والتي هي الأصل في التفكير الغربي بوجه عام له شواهده الكثيرة لدى المفكرين الغربيين أنفسهم. فعلى سبيل المثال يذكر بريتراند راسل (أحد أهم فلاسفة الغرب في القرن العشرين) أن التمرد على الجمود الفكري للفيلسوف اللاهوتي توما الإكويني في العصور الوسطى أدى إلى «سير التيار الفلسفي الرئيسي مرة أخرى في القنوات العلمانية؛ بحيث عاد إلى روح الاستقلال التي كانت تسود فلسفة القدماء» (1) .

ويقول ج. ج. كراوزر واصفاً ثالز (أحد علماء الإغريق) بأنه: «قد قام بتمحيص المعلومات القليلة التي بلغته عن العلوم الرياضية عند المصريين والبابليين بنفس الطريقة العلمانية التي استخدمها في التحري من مدى صدق الحكايات التي كانوا يقولون بها عن الخلق» (2) .

وتقول الكاتبة المهتدية مريم جميلة (مارجريت ماركوس سابقاً) عن التحولات الفكرية في عصر النهضة: «وبشغف شديد تحول مفكرو عصر النهضة إلى الاستلهام من علوم اليونان والرومان القديمة، وبإحلال الإيمان بقدرة العقل البشري المجرد محل الإيمان بالله» (3) .

كل ما سبق يؤكد أن العلمانية هي طريقة التفكير التي كان ينتهجها التيار الأساسي في الفكر الإغريقي الذي يعد الفكر الغربي بوجه عام امتداداً طبيعياً له، ولم تنشأ كما هو سائد رد فعل لجمود الكنيسة الغربية واضطهادها للعلماء والمفكرين في عصر النهضة. وإن غاية ما حدث في ذلك أن هؤلاء العلماء والمفكرين استعانوا بها مرة أخرى في مواجهة كهنوت الكنيسة واضطهادها حتى سادت تماماً واستمرت في الغرب حتى الآن.

* ما نراه في تعريف العلمانية:

وعلى هذا فإن ما نراه في تعريف العلمانية هو: «الاقتصار على العقل البشري وخبراته في إدراك حقائق الوجود وتصريف شؤون الحياة» (4) ، وهو الأمر الذي يعني في الوجه المقابل له إقصاء أي مصادر أخرى وعلى رأسها الوحي المقدس في إدراك حقائق الوجود، والطريقة التي يجب انتهاجها في الحياة التي نعيشها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت