فهرس الكتاب
ومع أن الرهبانية بدعة بشرية مشتركة بين أديان عديدة إلا أن للرهبانية النصرانية ظروفاً وأسباباً أبرزتها حتى غدت من أجلى مظاهر النصرانية على مر العصور.
أسباب الرهبانية:
1-عقيدة الخطيئة الأصلية الموروثة. وهي إحدى التعاليم الكبرى في المسيحية المحرفة، ومرجعها عندهم أن آدم - عليه السلام - لما أكل من الشجرة فعوقب بالحرمان من الجنة، فظل بنوه يرسفون في أغلال تلك الخطيئة حتى جاء الخلاص على يد المسيح ليصلب فداء للنوع الإنساني، فأصبح لزاماً على الإنسان أن يقتل نفسه ليمنحها الخلاص كما يقول متى في إنجيله:"من أراد أن يخلص نفسه يهلكها".
2-رد الفعل المتطرف للمادية اليهودية الجشعة والأبيقورية الرومانية النهمة.
3 -الأثر الذي خلفته الفلسفات والوثنيات التهريبية القانطة.
4 -الأوضاع الاجتماعية القاسية.
نظام الرهبانية:
ثمة شروط يتضمنها نظام الرهبانية:
أولها: العزوبة، وما يلزمها من التنفير من المرأة وإن كانت زوجة، وترذيل الصلة الجنسية وإن كانت حلالاً، فهذا"سان بونافنتور"أحد رجال الكنيسة يقول: إذا رأيتم امرأة فلا تحسبوا أنكم ترون كائناً بشرياً، بل ولا كائناً حياً وحشياً، وإنما الذي ترون هو الشيطان بذاته والذي تسمعون هو صفير الثعبان"."
الثاني: التجرد الكامل عن الدنيا. ويعنون بها العزلة النهائية عن المجتمع، وقطع النظر عن كل أمل في الحياة.
الثالث: العبادة المتواصلة:
الرابع: التعذيب الجنوني:
صادمت هذه التعاليم المنحرفة الفطرة فكان لابد من الخسران والشقاء.
وكان من تلك البدع المستحدثة كذلك الأسرار المقدسة:
امتلأت الوثنيات القديمة بالأسرار والأساليب الخفية والرموز الغامضة، وقد سجل التاريخ غلطة شنيعة على بعض أتباع الديانات باقتباسهم لأشياء من تلك الأسرار والرموز وإدخالها في دينهم، وذلك ما حصل بعينه في المسيحية المحرفة.
تناول المؤلف واحداً من هذه الأسرار التي دأبت الكنيسة على استعمالها في ستر نقائصها ومخازيها وقطع الطريق على كل محاولة تطلب تفسيراً يقبله العقل، وترفض أن تتسلط الكنيسة على عقول الناس بقولها (سر إلهي) . وكان من هذه الأسرار الإلهية الكنيسية سر"العشاء الرباني"أو"القربان المقدس".
ثم يبين المؤلف أن ذلك كان من دس شاؤل اليهودي الذي يؤكد جوستاف لوبون - أحد النقاد العقليين - أن شعائر النصرانية ومنها العشاء المقدس بدعة منقولة عن الوثنية المثرائية، وأن شاؤل كان متأثراً بالمثرائية التي كان من شعائرها التضحية بالعجل المقدس.
ولهذا كان المسيحيون الأوائل يقيمون وليمة تذكارية في عيد الفصح قوامها الخبز والخمر يرمزان إلى جسد ودم المسيح، وهي التي تعرف بعقيدة الاستحالة أي استحالة الخبز والخمر إلى جسد ودم المسيح، فليس لأحد من أتباع الكنيسة أن يسأل أو يشكك في ذلك السر، وإلا عوقب بالحرمان والطرد من الملكوت.
وكانت هذه العقيدة العجيبة من الثغرات الواسعة التي دخل منها النقد المرير للكنيسة، وسبب كثيراً من الانشقاقات الدينية، والسخرية الشديدة التي انهال بها على الكنيسة النقاد العقليون من أمثال الفيلسوف الفرنسي فولتير.
البدعة الرابعة - عبادة الصور والتماثيل: وهذه أيضاً كانت من البصمات الظاهرة التي تركتها الوثنية على الديانة النصرانية على الرغم من أن التماثيل تعتبر من الأعمال المحرمة في شريعة التوراة. ولم يقف الحد عند كونها مظهراً من مظاهر المخالفة لشريعتهم، بل تعدى ذلك إلى أن صارت التماثيل والصور آثاراً مقدسة ومعبودات يسجد الناس لها ويوقدون لها الشموع ويحرقون البخور وينثرون فوقها الزهور التماساً لبركاتها، ورجاء تأثيرها الخفي.
وكان للفتوحات الإسلامية التي امتدت حتى شملت معظم المعمورة أثرها في أن يعيد كثير من شعوب الدول النصرانية نظرتهم إلى ما أصاب دينهم من لوثات الوثنية، حيث اطلعوا على عقيدة التوحيد الخالص في دين الإسلام، فأحسوا بسخافة معتقداتهم وضحالة تفكيرهم، ففتحوا أعينهم على تلك الحضارة الغازية الشامخة الناصعة.
فقامت في الغرب حركات معادية لبدعة التماثيل والصور، وطالبت بإزالة تلك الوصمة الشنيعة التي كشفت الدين الذي ينتسبون إليه وأظهرت ما فيه من النقص والعيوب والتشويه الذي يخجلهم أمام المسلمين، لكن الكنيسة رفضت ذلك، وظل الصراع بين المنادين بتحطيم التماثيل والصور وبين الكنيسة المعاندة، وعقد مجمع نيقية الثاني عام 787م وحضره 350 أسقفاً وقرروا جميعاً بقاء الثماثيل والصور، بل ألزموا الناس بالإغراق في ذلك، بوضع التماثيل والصور كذلك في البيوت والطرقات، لبقاء أثر المسيح وأمه والرسل وسائر القديسين في نفوسنا، وبذلك انتصرت الكنيسة الوثنية على حركات الإصلاح.
ثم عادت الحركة المناهضة لعبادة الصور والتماثيل للظهور مرة أخرى بعد ثلاثة قرون، وذلك حينما اتصل الغرب الوثني بالشرق المسلم إبان الحروب الصليبية، وكان البروتستانت هم الذين يتولون الحركة الإصلاحية في هذا الجانب، بينما ظل الكاثوليك على تقديسها ولعن محطميها.