ويتمثل هذا التوجه أساسا في"الفكر الماركسي"الذي يرى في الدين مجرد"أفيون"للشعوب، ويطرح العقيدة الماركسية والإلحادية بديلا للدين والفكر الديني، وهو أقرب ما يكون للتوجه السابق، مع فارق هو أن التوجه السابق يبيح التعدد والديمقراطية للعلمانيين دون غيرهم (المؤمنين بالعقيدة أو الدين العلماني) بينما لا يؤمن التوجه الماركسي بالتعددية أصلا، أما الديمقراطية عنده فهي مركزية لا يسمح بها سوى"للبروليتارية"وحلفائها المنضوين في الأحزاب الماركسية.
أما على مستوى الممارسة، فلقد أفرزت العلمانية"الأنجلوسكسونية"أنظمة سياسية أكثر تساهلا تجاه الدين، ففي الولايات المتحدة الأمريكية -البروتستانتية- نجد نظاماً ديمقراطياً رئاسياً يفصل بين السلطات فصلا قاسياً، أما فيما يتعلق بالدين فإنه يسلك منهجا معتدلا، بحيث يسمح للمدارس بتعليم مبادئ الدين للأطفال، وعادة ما يجاهر رؤساء الدولة بالممارسة الدينية التي يعتبرها المواطنون ميزة إضافية للمرشحين للرئاسة، فضلا عن أن مختلف مناطق البلاد تشهد صحوة دينية قوية لا تلقى أية معارضة أو مصادمة من طرف الدولة ومؤسساتها، بل إنها تلقى كل القبول والترحيب.
وفي إنجلترا -الأنجليكانية- أفرزت الممارسة ديمقراطية برلمانية مع فصل مرن للسلطات في ظل نظام ديني غير علماني، وتعتبر هذه الديمقراطية عند علماء السياسة والقانون الدستوري أنضج وأعرق الديمقراطيات، وأكثرها سماحة واعتدالاً واستقراراً.
أما في فرنسا -الكاثوليكية- فقد أفرزت العلمانية، نظاماً ديمقراطياً شبه رئاسي، يتوسط بين النظامين الأمريكي والبريطاني سياسياً، وأقل سماحة منهما دينياً، وأكثر خصومات سياسية، وأشرس معارك حزبية وأيديولوجية.
إن هذه الفروقات السابقة هي التي جعلت البعض يستنتج أن التجربة الديمقراطية الغربية تكون أكثر مرونة وسماحة إذا ارتبطت دستوريا بالدين (أنجلترا نموذجاً) ، وأقل مرونة إذا ارتبطت واقعياً بالدين ولم ترتبط به دستوريا (تجربة الولايات المتحدة الأمريكية) ، ومنعدمة المرونة إذا انفصلت دستوريا وعمليا عن الدين (التجربة الفرنسية) ، بينما يذهب البعض الآخر إلى أن درجة المرونة أو التصلب لهما ارتباط بالمذهب الديني، فهو منعدم المرونة في الوسط الكاثوليكي (فرنسا) ومتوسط المرونة في الوسط البروتيستانتي (ألمانيا وأمريكا) ، ومرن جدا في الوسط الأنجليكاني (إنجلترا) وبغض النظر عن هذا التوجه أو ذاك, فإن التجارب الديمقراطية الغربية ذاتها تدل على أنه لا يوجد تلازم حتمي بين الديمقراطية والعلمانية أو الديمقراطية واللادينية، فالماركسية التي أبعدت الدين جملة وتفصيلا كانت أقل الأنظمة ديمقراطية وتسامحاً على الإطلاق.
أما في العالم الإسلامي المعاصر، فقد تعددت التجارب والمسارات، ففي تركيا ومنذ أكثر من سبعين عاما نهج أتاتورك أكثر التوجهات العلمانية تطرفاً، لكن هذا المسار لم يؤت أكله سواء على الصعيد الاجتماعي أو السياسي، فعلى الصعيد الاجتماعي تعرف تركيا صحوة دينية متنامية جوبهت بردات فعل رسمية عنيفة وتراجعات خطيرة على صعيد السياسة والتعليم والإعلام وغيرها، وعلى الصعيد السياسي استطاع التيار الديني اكتساح الانتخابات والوصول إلى سدة الحكم رغم كل العراقيل والمساطر المعقدة المعتمدة الأمر الذي أدى إلى عسكرة الديمقراطية وانسداد آفاقها اجتماعيا وسياسيا وحتى اقتصاديا.
وفي تونس حاول نظام بورقيبة اقتفاء آثار"أتاتورك"فعصفت به الصحوة الدينية دون أن يتمكن حتى من ترسيخ ديمقراطية عسكرية مماثلة للنموذج التركي، وحاول خلفه ترميم الواجهة الديمقراطية بالاستناد على القوى العلمانية المعزولة شعبياً، فنتج عن ذلك نظام ديكتاتوري معزول داخلياً وخارجياً، بل وقعت تناقضات حتى مع التيارات العلمانية التي ساندته في بداية الأمر لاقتلاع الحركة الإسلامية. فلما خلت له الساحة فتك بالجميع.
وفي أندونيسيا حاول"سوهارتو"بناء علمانية أقل تطرفا، لكنها لم تعمر إلا مؤقتا تحت سلطة الجيش والشرطة، لتسقط مؤخراً تحت ضغط الصحوة الإسلامية، لتستأنف الدولة مسارها في ظل نظام أكثر تسامحاً مع الدين وبتمثيل أكبر للأحزاب المستندة إلى المرجعية الدينية.
ويضيق بنا المجال لو أردنا استعراض كل التجارب في باكستان وماليزيا ومصر والسودان، والجزائر والمغرب ونيجيريا... وخلاصة القول أن العلمانية تجربة بشرية محدودة لا ينبغي إضفاء صفة الكونية عليها، وهي متعددة التوجهات والمشارب وليست توجهاً واحداً وموحداً، كما أنها فشلت في التطبيق خارج بلدانها وبيئتها وخصوصاً في البلدان الإسلامية، وهذا يحتم علينا ابتكار أساليب جديدة ملائمة لمسارنا التاريخي ولجذورنا الحضارية، ولبيئتنا الحاضرة، ففي كل أرجاء العالم، فإن الماضي يتحكم في بناء الحاضر، والحاضر يتحكم في بناء المستقبل، وأي إغفال لهذه القاعدة قد يترتب عليه انتحار حضاري أو انسداد وتوقف في مسار التنمية والتقدم.