هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنه ليس ثمة صدقية للادعاءات التي تقول: إن القانون جاء استجابة لرغبة الدولة، في حماية الفتيات من أي شكل من أشكال الإكراه الذي يمكن أن تمارسه الأسرة أو ما يسمى بالتنظيمات الإسلامية المتشددة، إذ إن تصرف الدولة ذاتها يتناقض مع هذا الادعاء، ويأتي في هذا السياق نموذج الطالبتين (ليلى 18 سنة، وألما 16) ، حيث قررت إدارة المدرسة فصلهما لارتدائهما الحجاب، رغم أنهما ينحدران من عائلة يهودية مشهورة في فرنسا وأوروبا عموما وهي عائلة"ليفي"، والدهما"لوران ليفي"محامٍ يهودي معروف في فرنسا بمواقفه اليسارية، وأمهما جزائرية مسيحية غير متدينة، أي أن الحجاب في هذه الحالة كان ممارسة مبرأة من أي شبهة إكراه. وتكتسب حالة"ليلى وألما"أهميتها من أنها كانت حالة غير ملتبسة، وغير قابلة لتعدد القراءات والتأويلات، وأضاءت حقيقة أن موقف المدرسة من الحجاب -ممثلة للدولة- كان موقفا"ثقافيا"لا"علمانيا".
أزمة الحجاب في فرنسا -إذن- كشفت عن أن العلمانية الفرنسية، لا تمارس حضورها كوعاء حاضن للاختلاف والتعدد -أي لا تمارس علمانيتها- إلا من خلال الأطر الثقافية والاجتماعية المهمشة، أو تلك المفرغة من أية مضمون أو بنية"عقائدية - نضالية"، والتي لا تمثل تهديدا لـ"هويتها الثقافية"وليس لـ"علمانيتها السياسية"، مثل الجماعات الداعية إلى"عبادة الشيطان"أو"البوذية"أو"الزواج المثلي"أو الحرية الجنسية، وذلك على سبيل المثال لا الحصر.
ومن هنا فإن فرنسا لم تفشل في محاولتها دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، وإنما تعمدت تهميشهم، وحصارهم داخل المناطق والجماعات المهمشة، وحشرهم داخل الأطر المشابهة، غير المؤهلة بطبيعتها للتمدد والتأثير الثقافي، هنا وهنا فقط تظل العلمانية الفرنسية محتفظة بوظيفتها كمظلة يستظل بها التعدد والاختلاف. وهذا شرط أساسي من الشروط التي تستقي منه العلمانية الفرنسية حيويتها؛ ولذا فإن فكرة دمج المسلمين في المجتمع الفرنسي، ربما تكون"واقعا"، ولكن عندما يستسلم المسلمون لثقافة فرنسا وهويتها المسيحية، وليس الانصياع كما يُدعَى لمبادئ العلمانية، فليس ثمة مشكلة في الأخيرة، فهي في روحها وقوانينها تقبل هذا الاندماج، متى تحررت من القيود الحضارية (أو الثقافية) ، وكذلك من أعباء الحفاظ على الجذور المسيحية للهوية الفرنسية.