فهرس الكتاب

الصفحة 5106 من 27364

3-خلال الجيل الثالث من التجربة التركية، التي يرمز إليها اسم أربكان ثم اسم أردوغان، لم تدع الدولة التركية تحت السيطرة العلمانية العسكرية سبيلا من السبل إلا وسلكته للحيلولة دون أن يصعد التوجّه الإسلامي عبر صناديق الانتخاب -مع الالتزام المفروض بالمرجعية العلمانية- إلى سدّة الغالبية، وشملت تلك السبل، الحظر، والاعتقال، والأحكام القضائية الجائرة، والحرمان من ممارسة العمل السياسي، والضغوط لإسقاط الحكومة، والضغوط على بقايا الأحزاب العلمانية الخالصة لتتوحّد في جبهة واحدة، ثمّ بعد ذلك كلّه تجد العلمانية التركية نفسها في انتخابات 2007م أمام السؤال: هل سينفرد حزب العدالة والتنمية بالسلطة مجدّدا أم سيضطر إلى تشكيل ائتلاف حكومي؟.. والسؤال بحدّ ذاته عنوان معبّر عن مدى ما يعنيه إخفاق تلك الوسائل، وإخفاقها في تركيا يوجب السؤال عن المنطق الكامن في محاولات قسرية مشابهة لا تنقطع لاستخدامها في العديد من البلدان الإسلامية الأخرى!..

4-إلى جانب تلك المعالم الكبرى لخطّ المسيرة التاريخية للمعركة التي فرضت فرضا على ثلاثة أجيال من حياة الشعب التركي ما بين العلمانية والإسلام، يوجد ما لا يحصى من المعالم الأخرى البالغة الأهمية أيضا في استكمال معالم الصورة، ولا يتسع المجال للتفصيل فيها، فالإخفاق على هذه الجبهة لم يكن اعتباطيا، والنجاح على تلك لم يكن اعتباطيا أيضا. إنّ كافّة ما شهدته تركيا من صيغ للحكم العلماني أخفق في تحقيق الأهداف الأساسية المعتمدة لتحديد معايير نجاح الحكم في أي دولة، على الأصعدة الاقتصادية والمالية وعلى طريق النهضة التقنية والصناعية، إضافة إلى تثبيت مكانة دولية لا تقتصر على"أداء دور إقليمي"يفرضه الانتماء إلى حلف شمال الأطلسي، أو المضيّ لمدة أربعة عقود متوالية في قرع أبواب الاتحاد الأوروبي دون جدوى.

وبالمقابل، وبشهادة الأرقام الثابتة في المصادر الغربية والمرئية في واقع تركيا، لم تعرف البلاد سياسات حكومية ناجحة للتخلّص من النسب الأسطورية للتضخم والديون الخارجية، وفي ضمان استقرار الأسواق المالية والاستثمارية، وفي تطوير الأوضاع الاقتصادية اعتمادا على الطاقات الذاتية، وفي مكافحة الفساد، سوى في فترتين، أولاهما أشبه بالمعجزة الاقتصادية، إذ لم تستغرق سوى عام واحد عندما كان نجم الدين أربكان رئيسا للوزراء، والثانية في عهد حكومة أردوغان وانفراد حزب العدالة والتنمية في تشكيلها.

تجربة تاريخية معاصرة

إن التجربة التركية كافية، أو ينبغي أن تكون كافية، لمختلف البلدان الإسلامية الأخرى، لاستخلاص العبرة التاريخية المعاصرة، والوصول إلى نتائج تفرض نفسها على أرض الواقع، وتستدعي أن تتحوّل إلى معايير لمصداقية أي دعوة تصدر عن التيارات والأحزاب، أو عن مختلف القوى الموجودة في السلطة وخارجها، إلى إقامة أوضاع مستقرّة على دعائم التعبير عن الإرادة الشعبية وسلوك طريق النهضة في مختلف الميادين. وهنا لا نتحدّث عن دروس من التاريخ القديم -ولا يستهان بأهميتها- ولا عن تصوّرات يسهل وصمها بالأوهام، وإن كانت منطقية في منطلقاتها ونتائجها، بل نتحدّث عن تجربة تاريخية معاصرة، تلقي دروسًا يعتبر الإغفال عنها ضربا من ضروب المكابرة، وفي مقدّمتها:

1-إن الانتماء الحضاري لا يمكن أن يصنع صنعًا، بل هو حصيلة التطوّرات التاريخية المديدة، وبه يرتبط الاستقرار الحقيقي في أي بلد من البلدان، وهو أيضا شرط استقرار العلاقات مع بلدان أخرى ذات انتماء حضاري مماثل أو مغاير. ومع رفض الانغلاق الحضاري ابتداء، يبقى من الضروري التأكيد أنّ الانفتاح المطلوب لا يتحقق بطريق الذوبان في الآخر حضاريًّا، بل في سلامة التعامل معه.

2-إنّ الفصل بين دور القوّات العسكرية في أي بلد، وبين ممارسة السلطة فيه، عنصر لا غنى عنه لأي حكم قويم، وإنّ كلّ تدخّل تفرضه القوّة العسكرية، أو شبه العسكرية، ويفرضه حزب من الأحزاب، أيا كان اتجاهه، لتحديد طبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، لا يفضي إلى استبداد مرفوض فحسب، بل يفضي أيضا إلى عرقلة طريق النهوض في مختلف الميادين.

3-لا جدوى من استمرار التمسّك بأسلوب الوصاية على الإرادة الشعبية تحت عناوين صراعات حزبية وسياسية واتهامات وافتراءات، ومع رفع شعارات مستهلكة قديمة من قبيل"لا حرية لأعداء الشعب"أو مبتكرة حديثة من قبيل"علمنة الإسلاميين"، ولا بدّ من التخلّي عن ذلك لصالح أرضية مشتركة تنطلق من تثبيت المصلحة العليا هدفًا، وتحكيم الإرادة الشعبية وسيلة، لعمل مشترك، وبناء مستقبلي مستقر.

4-إنّ الاحتكام إلى الإرادة الشعبية ليس شعارًا للمزايدات، بل مبدأ أساسي تنبثق عنه قواعد ما يسمّى"اللعبة السياسية"، ولا يمكن أن يستقرّ دون أن يشمل تطبيقه والالتزام بما ينبثق عن سريان مفعول قواعده، تثبيتَ المرجعية التي تختارها الغالبية وفق الاحتكام إلى الإرادة الشعبية لتوجيه الحياة والحكم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت