-نحن في سياق إعادة تشكيل عام للعلاقة بين الإيمان ومضمون الإيمان، فالمناخ العام يشير إلى قبول حركة التنقلات بين المرجعيات الدينية، ومن نتيجة البحوث الاجتماعية في أوربا نلاحظ أن الناس لا يتأثرون بالمضمون، فمن الممكن أن يكون الفرد مسيحيا لفترة ثم يخرج منها إلى الإسلام ويعرج منه للبوذية، وربما انتهى إلى مزيج إيماني من عدة ديانات مختلفة، وهو ما نراه بوضوح لدى المتصوفة في أوربا فالتصوف حالة إيمانية لا تتعلق بدين محدد، بل ربما يدخلها ملحدون كما أسلفنا، وهو ما نسميه بعصر new age (أو الإيمان دون انتماء ديني محدد) ، لكن هذه ليست قاعدة ثابتة؛ إذ يمكن لهذا المشوار أو الطريق الإيمانية أن تتوقف ويستقر الفرد في مرجعية دينية معينة، وهو ما نراه في المنتمين للحركات الإسلامية الأصولية في أوربا، فهم بمجرد دخولهم في هذه المرجعية الدينية استقروا غالبا فيها ولم يدخلوا - كأبناء جيلهم- في new age، ولكن في أغلبية الوقت يمكن أن نفسر الإيمان في أوربا على أنه كمشوار أو كطريق، فالإيمان حاليا ليس معناه أن ينتمي الفرد لديانة معينة، وإنما يعني التنقل بين مرجع إلى آخر والحركة بدلا من الاستقرار.
* ولكن أليس من المفروض أن يخلق هذا نوعا من التسامح -بصرف النظر عن موقفنا بالرفض أو القبول- فلا حروب أو صراعات دينية، ولكن ما يحدث أن العالم لا يسير بالضرورة إلى ذلك؟
-تتوقف زيادة التسامح على عدة عوامل، فإذا كان الفرد في موضع قبول للحركة والتنقلات والتغيير، فهو مبدئيا بضع نفسه في مبدأ النسبية بقبوله فكرة التغير، وفي هذه الحال ينفصل التدين عن العنف. ولكن إذا رفض مبدأ الحركة فإن التدين يميل إلى العنف؛ لأنه يركز فقط على فكرة الانتماء والرغبة الدائمة في التمييز بين الأنا والآخر. وغالبا فليس هناك قبول تام للحركة، وليس هناك أيضا رفض تام لها، ولكن الذي يحدث هو استعمال الدين لجعل فكرة الحركة والتنقل والتغيير أكثر ألفة، خذ مثلا ظهور العذراء في مدينة"لورد lou r des"الفرنسية، وهو ما ترتب عليه بدء فكرة الحج لهذه المدينة، فقد حدث هذا في عصر دخول الحداثة للمدينة عن طريق انفتاحها لفرنسا وللعالم، والقضية هنا ليست مدى صحة هذا الظهور من عدمه، بل تتعلق بأن هذا الظهور جاء في وقت انفتاح هذه المدينة، وأنه جاء ليسهل هذا الانفتاح، ولنا أن نلاحظ أن العذراء تكلمت مع سكان المدينة بالفرنسية كما يروون!
وهناك نماذج أخرى، مثل الحجاب في فرنسا فهو لم يكن مرتبطا برفض الحداثة أو فكرة الحركة، لكن كان تعبئة معينة لتكوين هوية كانت فيما مضى مفككة إلى حد ما، ولا يمكن اعتبار أن المحجبات لا يؤمن -بالضرورة- بمبادئ الجمهورية العلمانية الفرنسية، فالحرية الفردية -التي أتاحت لهن ارتداء الحجاب على خلاف أهلهن ومجتمعهن- هي من مبادئ الجمهورية، وليست من مبادئ الإسلام كما تقدمه بلاد العالم الإسلامي نفسه (!!) ، وعلى هذا فلنا أن نتساءل: هل العودة إلى الهويات والأممية تخالف حركة الفردنة؟.. لا أظن ذلك بل أنا أميل إلى أنها أولى مراحل الفردنة كما هو الحال بالنسبة للحجاب في فرنسا الذي كان إحدى وسائل الفردنة إذ عن طريق الحجاب والعودة إليه غالبا ما تكون البنت أكثر استقلالية عن أسرتها (!!) .
* بالصورة التي رسمتها لتأثيرات نهاية الروايات الكبرى على الدين وإعادة تشكيله والتمييز بينه وبين الإيمان، كيف ترسم شكل وخريطة الحركات والأفكار الدينية وما ستكون عليه الأديان مستقبلا، هل سيحدث انسحاب لحركات وأفكار أديان وتقدم لأخرى؟ ومن منها المستفيد من هذا التعديل؛ فالبعض يتحدث مثلا عن أن الإنجيلية ستكون ديانة المستقبل، وأنها ستقضي على الكاثوليكية معتمدا على إحصاءات تؤكد الانتشار السريع لها حتى في مناطق النفوذ الكاثوليكي التقليدية مثل أمريكا الجنوبية؟
-لدي تحفظات على فرضية أن الإنجيلية ستكون ديانة القرن الحادي والعشرين، صحيح أنها تنتشر بكثافة كما أشرت، ولكن نلاحظ في الوقت نفسه أنها تتراجع في أماكن أخرى مثل كوريا، صحيح أن الكنيسة الكاثوليكية هي الخاسر الأكبر في المستقبل، لكن هناك طوائف دينية أخرى ستستفيد أكثر من الإنجيلية، وعلى رأسها البوذية ليس بشكلها التقليدي، ولكن طبقا للشكل الأوربي، والمعيار في ذلك هو قدرة كل ديانة على مساعدة الإنسان في التكيف مع الحداثة والعولمة كمناخ جديد، فالبوذية تتناسب تماما مع الطلب الشخصي المتزايد لديانة تضمن الراحة النفسية؛ فهي ديانة من غير ضغوط أو قيود أو تنازلات كثيرة، وقد أجريت دراسات مؤخرا اكتشفنا معها عدد معتنقي البوذية يزيد عن أربعة ملايين نسمة في فرنسا وحدها وهو رقم كبير على ديانة وافدة حديثا على بلد كفرنسا.