(التحليل النفسي) ، يمكن بنفس الدرجة تقريباً الحصول عليها من خلال نظريات مختلفة كلية. لذلك لا يمكن الحكم على هذه النظريات من خلال النتائج. ويتبع ذلك أن هذه النظريات يمكن فقط الحكم عليها بالاستناد إلى احتمالاتها الأولية. وهنا نواجه صعوبة تتمثل في أن كل أشكال التحليل النفسي تظهر محتملة بدرجات متساوية تقريباً. وربما وجب التفريق لمصلحة تلك النظريات التي تأخذ بفكرة اللا شعور، وذلك في مقابل تلك التي تنبذ هذه الفكرة. إن مفهوم اللا شعور مفهوم مهم بالتأكيد، لكنه وُجد قبل التحليل بوقت طويل. وهكذا فإن كون التحليل النفسي قد أدخل شيئاً جديداً هو موضع جدل ونقاش.
والنتيجة التي ينتهي إليها (سوليفان) أنه ليس في نظريات علم النفس كافة شيء من شأنه أن يغيّر جدياً في قناعتنا بأن هذا العلم لا يمكن اعتباره علماً حتى الآن. وللمعارف الأخرى أيضاً مثل علم الاجتماع والاقتصاد وما إلى ذلك، بعض النواحي التي لا تعتبر مرضية من وجهة النظر العلمية. والعلم هو أقوى ما يكون عليه عندما يتناول العالم المادي. أما مقولاته في المواضيع الأخرى فتعتبر نسبياً ضعيفة ومتلجلجة!
وهي نفس النتيجة التي ينتهي إليها الكسيس كاريل في (الإنسان ذلك المجهول) .. إن السيطرة على عينة من العالم المادي لغرض فهمها ممكنة إلى حد ما، أما السيطرة على عينة يدخل فيها الإنسان، والعقل، والحياة، طرفاً، فتكاد تكون مستحيلة. ومن قبل سُئل الرسول - صلى الله عليه وسلم - عن الروح: معجزة الإنسان، وسرّ العقل، ومفتاح الحياة، فأجاب القرآن الكريم عنه: (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً) . [الاسراء:85] . وهكذا نرى كيف تتساقط رموز العلمانية الملحدة التي تتنكر لله .. والإيمان .. وها هو ذا جان بول سارتر ، زعيم الوجودية الإلحادية، ينتهي إلى المصير نفسه .. على يده هو وباختياره هذه المرة. إنه يقول فيما ترجمه الدكتور محمد جابر الأنصاري بعنوان:"المحاورة الأخيرة بين سارتر ودي بوفوار"ونشرته مجلة الدوحة القطرية في مايو 1982 م:"أنا لا أشعر بأني مجرد ذرّة غبار ظهرت في هذا الكون، وإنما أنا كائن حساس تم التحضير لظهوره، وأُحسن تكوينه، أي بإيجاز ككائن لم يستطع المجيء إلاّ من خالق"!
ثم ها هو ذا الدكتور أحمد أبو زيد يذكر في مقال له بعنوان:"هل مات دارون حقاً؟"
( نشرته مجلة العربي في تموز 1982 م ) كيف أنه صدر في إنكلترا من شهور قليلة وفي أواخر عام 1981 م كتاب يحمل عنواناً طريفاً هو"التطور من الفضاء: (Evolution F r om Space) قام بتأليفه عالم الفلك الشهير (سير فريد هويل) وعاونه في ذلك أستاذ هندي يدرّس في جامعة كارديف. ويعترف الأستاذان بصراحة في ذلك الكتاب بأنهما ملحدان، ولا ينتميان لأي دين أو عقيدة، وأنهما يعالجان أمور الفضاء وحركات الكواكب بأسلوب علمي بحت، ومن زاوية عقلانية خالصة لا تحفل ولا تتأثر بأي موقف ديني. ويدور الكتاب حول مسألة احتمال وجود حياة على الكواكب الأخرى، ويتناول بالبحث الدقيق الفكرة التي سادت في بعض الكتابات التطورية عن ظهور الحياة تلقائياً من الأوحال الأولى نتيجة لبعض الظروف والتغيرات البيئية. ومع أن هنالك نظريات معارضة لهذا الاتجاه، وهي نظريات ترى أن احتمال ظهور الحياة من هذه الأوحال أو الطين الأولى لا تزيد عن (1: 10: 40.000) أي واحد إلى عشرة أمامها أربعون ألف صفر. مما يعني أنه لا تكاد توجد فرصة لظهور الحياة عن طريق التوالد التلقائي من هذا الطين، وبالتالي فإن الحياة لا يمكن أن تكون نشأت عن طريق الصدفة البحتة، وأنه لابد من وجود عقل مدبّر يفكر ويبدّل لهدف معين. وعلى الرغم من اعتراف المؤلفين الصريح ـ كما قلنا ـ بإلحادهما، فإنهما لا يجدان أمامهما مفراً من أن يكتبا الفصل الأخير من الكتاب تحت عنوان"الله ـ God"."
ولابدّ من الإشارة ها هنا إلى أن المعرفة الإنسانية سواء في ميدان علم النفس أو
الاجتماع ، أو حتى العلوم الصرفة وبخاصة علوم الطبيعة والحياة، عادت عبر العقدين الأخيرين لكي تتصالح مع الإيمان، وهذا يعني بالضرورة تصالحها مع الثوابت والمرتكزات التي تحترم إنسانية الإنسان، وتميّزه، وتفرّده على العالمين.
إن هذا التصالح أو الوفاق لم يؤثر البتة على حرية العالم في الكشف، بل على العكس إنه يجيء بمثابة دفع وتحفيز للمزيد من الكشف عن الحقائق والنواميس التي لن تكون في نهاية الأمر إلاّ تأكيداً لقصديّة الخلق، وإحكام البناء الكوني، وإبداعية الله سبحانه.
لنقف بعض الوقت عند كتاب"العلم في منظوره الجديد"لـ (روبرت أغروس) و (جورج ستانسيو) والذي نُشر في العدد (134) من سلسلة عالم المعرفة في شباط 1989 م. مترجم الكتاب الدكتور كمال خلايلي يلخص فصوله الخصبة بالحديث عن الظروف التي نشأت في ظلها النظرة العلمية القديمة التي تطورت في العصور اللاحقة إلى مذهب مادي صارم يؤمن بأزلية المادة، ويرفض من ثم كل ما هو غيبي، ولا يعترف في تفسيره لمختلف الظواهر إلاّ بنوعين هما العلل، وهما الضرورة والصدفة.