فهرس الكتاب

الصفحة 5261 من 27364

قِفْ وانظر تلك الوجوه في تلك اللحظة: عبراتٌ مسفوحة، وأفراح تعجز عنها الأرواح، فترى هذا غَشْيانَ، وهذا دهشان لا يدري أهو في أرض أم سماء. وذاك يعانق البيت قبل أن يصل إليه؛ لأن روحه قد سبقته فصوّرته أنه بين يديه. والآخر عاجزٌ عن الحراك أيُّها البيتُ لمّا رآك، يخشى أن يكون ما فيه حُلمٌ سينتهي إن حاول أن يعانقك. وهناك من لا يكاد يرفع بصره إليك، واكتفى بالسجود لله تعالى بين يديك، هيبةً وتعظيماً. وأما هذا فلا يدري من أين يبدأ اللقاء، وكيف تكون طقوس الحب والوفاء، يحسب أنه لن تنطفئ أشواقُه إلا أن يموت هناك، وتطويه تلك البقاع في جوفها. وذاك أشرق وَجْهُهُ، ولم تعد تَطْرُفُ عينُه، لمّا اكتحل برؤياك، يخشى من النوم كما يخشى غيره الموت؛ لأنه سيمنعه من النظر إليك، ألا ترى أنه يخرج حين يخرج راجعاً القهقرى إلى ظهره، ودَّ أن يترك بصره عندك، بعد أن ترك قلبه لديك. وآخر استحضر التاريخ، فغلبه تاريخك العظيم، فرضي منه بلحظة واحدة، فتمثّل رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلّي خلف المقام، فكادت روحه أن تزهق لجلال هذا المقام، هُنَا صَلَّى الحبيبُ المصطفى -صلى الله عليه وآله وسلم-، وهنا طاف، وهنا ركع وسجد، وهُنا قام ودعا، وهنا بكى وبلّلت دموعه المباركة المكان، وهنا خَطَا، وهنا نام... يا الله! آمنت أن الآجال بيد الله، وإلا لما كان للأرواح أن تصبر بعد هذا كُلّه.

مئاتُ الملايين من البشر حجّت هذا البيت الحرام، كل واحد منهم قد فاض قَلْبُه بجلال هذا الموقف، كل واحد منهم يظن نفسه وحيدَ حُبِّه وفريدَ وَلَهِه؛ لأنه يرى الأرض والسماء قد ضاقت عن مشاعره، فكيف يشاركه غيره من أهل السماء والأرض في تلك المشاعر التي ملأت السماءَ والأرض من القِدَم، فما بقي فيهما لغير مشاعره -فيما يحسب- موضعٌ لغير حُبَّه هو وحده. لكن العجيب أن هذه المشاعر نفسها، قد ملأت سماء وأرض مئات ملايين البشر ممّن حجّ هذا البيت الحرام!!!

مئات الملايين من البشر جاؤوا إلى البلد الحرام، فوسع أفئدتهم كلّهم وضمّها إليه، فلا ضاق عن شوقٍ لقاؤه، ولا عجز عن قديم العهد وفاؤه، ولا تفلَّتَ من بين ملايين القاصدين قلبٌ لم يرُضه بلذاذة الوصال، ولا ادعى أحدٌ منهم أنه قصّر في تحقيق مالهم فيه من مُنْتهى الآمال.

هذه عطاءات البلد الحرام.

ثم بعد أن يظنّ هؤلاء المحبّون أن دهشة اللقاء الأولى قد انقضت (وسيعلمون إذا انتهت مناسكهم وأرادوا الرجوع إلى بلدانهم أنهم ما زالوا في لفيف الدهشة الأولى ما برحوها) ، عظّموا الله تعالى بالطواف حول البيت، تطوف قلوبهم بأجسادهم لا أجسادُهم بقلوبهم، فالطواف رَمْزُ التبعيّة: من طواف ما حول نواة الذرّة بها، إلى طواف الكواكب حول شمسها، إلى طواف المجموعات في أفلاكها، إلى طواف الملائكة حول عرش ربّها عز وجل.

إن إقرار العبد بأنه عَبْدٌ، وفرحه بعبوديّته، وإعلانه الانقياد المطلق لربّه بالطواف حول بيته الذي نصبه رمزاً للتوجُّه إليه= يدل على كمال محبّة العبد لربّه. ولا أحبَّ عَبْدٌ من استعبده إلا لكمال في هذا المستعبِد، جعل الاستعبادَ المكروهَ للنفس في العادة محبوباً لها لمّا كانت عبوديّةً لصاحب ذلك الكمال. والكمال المطلق لله تعالى وحده، ولذلك وَجَبَ على عبيده أن يفرحوا غاية الفرح بعبوديّتهم لله تعالى، وأن يحقّقوا هذه العبودية على أقصى مايستطيعون.

وممّا زادني شرفاً وفخراً … …

وكدت بأخمصي أطأ الثريّا

وقوعي تحت قولك يا عبادي … …

وأن صيرت أحمد لي نبيّا

وقوعي تحت قولك يا عبادي وأن صيرت أحمد لي نبيّا

وهذا ما يشعر به الطائف بالبيت، تراه يطأ أرض المطاف، وهو يَشْعُرُ أنه يطأ النجوم؛ لأنه العَبْدُ التامّ العبوديّة لله العظيم الذي لا إله إلا هو وحده، فهو يحقّق هذه العبودية الشريفةَ الكريمةَ بطوافه.

فأيّ شعور أعظم من هذه الشعور؟! وأي حقيقةٍ غائبة عن الناس أهداهم إيّاها هذا البلد الحرام بالطواف حول الكعبة المشرّفة؟!

هذه عطاءات البلد الحرام.

فإذا أقبل الطائفون إلى الحجر الأسود لتقبيله، وهو من الجنّة، قبّلوا فيه أرضّ موطنهم الأول: الجنّة، التي أخرج الشيطانُ (عدوُّهم الأول) أبويهم منها. وهنا تستعر لواعج الأشواق وتحترق خوالج العُشاق إلى الموطن الأول لهذه البشرية، وهي الجنّة، فتحنّ إليها أشد ما يكون حنين الغريب الطريد من وطنه إليه، إذا ما رأى ما يذكّره به. فحُقّ أن يُقال عند تقبيل الحجر: هُنا تسكب العبرات!! (2) .

وهذا الحنين إلى الجنّة، الذي أذكاه تقبيل الحجر الأسود، سيكون دافعاً إلى أن يسعى هذا الغريبُ المطرودُ إلى أن يعود إلى وطنه، بسلوك الجادّة التي وضعها ربُّه إليه، ويحذر سُبُلَ الشيطان عدوّه الأول الذي كان سبب خروجه من الجنة.

وهكذا تكون عطاءات البلد الحرام.

فإذا ذهب إلى المقام ليصلي خلفه سنة الطواف، ورأى مقام إبراهيم، وهو آيةٌ بيّنةٌ على التوحيد"فيه آيات بيّنات مقام إبراهيم"لأنه بقيّةُ أبي الأنبياء وباني كعبة التوحيد على وجه الأرض.

كل بقعةٍ في هذا البلد الحرام لها مع التوحيد قصةٌ قديمة وتاريخٌ عريق، حتى ذلك الحجر المسمى بمقام إبراهيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت