يا أهل مكّة: الناس يصلّون وأنتم تُصلون، لكن صلاتكم بمائة ألف صلاة في غير بلدكم. والناس آمالُهم وأمانيهم تنحصر في أن يتيسّر لهم الطواف حول البيت، وقد لا تتحقِّق تلك الآمال إلا إذا شاخ أحدهم ومال، ولا يبلغ الآخر منه مُنَاهُ إلا وقد شابَ رأسُه وفؤاده. أمّا أنتم فتطوفون بالرضيع والفطيم، ويطوف منكم الصغير والكبير، وتطوفون بالناس تعلمونهم مناسكهم، ولا يمنعكم أحدٌ من حرمكم في جميع أيام عمركم. حتى إذا حَلّ من أحدكم الأجل: صُلّي عليه عند الكعبة، ودُفن بالحرم، فما غُبط أهلُ بلدٍ كما غُبطتم: في الحياة.. وبعد الممات، فهنيئاً لكم.
وهكذا عطاءات البلد الحرام.
يا أهل مكّة: كل عطاءات البلد الحرام لغير أهله هي لكم بأوفر حظٍّ منها وأتمِّ نصيب، ولكم من عطاءاته ما لا يحصل لغيركم، والناس من غير أهل بلدكم قد أعظموا عطاءاته لهم، حتى كان له في نفوسهم من الحُبّ والشوق مَا لا يُعرف لبلد غيره، ولا يَعْرِفُه قلبٌ لبلد ولا بلدٌ من قلب. فماذا يجب أن يكون في قلوبكم لبلدكم هذا، الذي لا يُوجَدُ بلدٌ عطاؤه كعطائه، ولن يوجد؟!!
يا أهل مكّة: أنتم في خير أرض الله، وفي أحب البلاد إلى الله؛ فكونوا خيرَ عباد الله وأحبَّ عباد الله إلى الله"الطيبات للطيبين والطيبون للطيبات".
لئن كانت هذه بعض عطاءات البلد الحرام، فماذا أعطينا البلد الحرام؟!!!
سؤال يحتاج إلى جواب:"هل جزاء الإحسان إلا الإحسان".
(1) قال سعيد بن جبير ومجاهد في قوله تعالى"وأذّن في الناس بالحج يأتوك رجالاً":"وقرت في قلب كل مؤمن ذكر وأُنثى". (تفسير أبن جرير:16/515، 517) .
وصحّ عن عدد من السلف: منهم ابن عباس -رضي الله عنه: أن الناس كلّهم سمعوا نداء إبراهيم عليه السلام، حتى من هُم في أصلاب الرجال وأرحام النساء، فأجابه من آمن ممن سبق في علم الله تعالى أن يحجّ إلى يوم القيامة: لبيِك اللهم لبيك. (تفسير الطبري: 16/514-517) ، واخبار مكة للفاكهي: رقم (973-978) .
(2) حديث"هنا تكسب العبرات"لا يصح، لكن صحح ابن خزيمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين استلم الحجر فأضت عيناه بالبكاء، ووافقه على تصحيحه الحاكم.