فهرس الكتاب

الصفحة 5267 من 27364

ولكن هذه الشعارات كانت تغلف بشعارات عامة مزخرفة كالديموقراطية والحرية وحقوق الإنسان ومساواة الرجل بالمرأة وغير ذلك.

إلا أن الديموقراطية في حقيقتها لم تشهد إلاّ الحروب التي تشعلها المصالح الخاصة والتنافس عليها واستغلال الشعوب بالإغراء أو القوة والبطش، ولا أظن أن تاريخ البشرية شهد استبداداً أشد من استبداد الأسلحة المدمرة الفتاكة التي تطلقها أمريكا على أجزاء كبيرة من العالم لفرض ما تسميه"الديموقراطية والحرية"، ثم لا تجد إلا الخداع والكذب، والأشلاء والجماجم.

من خلال مسيرة العقل الأوروبي والغربي مع مسيرة العلمانية قدَّر الله أن ينهض الغرب بنهضة علمية وصناعية كبيرة، زوّدتهم بالقوة المادية الكبيرة والسلاح المدمر، وكان أساس هذا التطور ما أخذوه عن المسلمين عندما كان المسلمون في أوج تطورهم وازدهارهم العلمي، وأوروبا في ظلال الجهل.

وفي الوقت نفسه قدَّر الله أن يقع المسلمون في غفوة طويلة وغفلة كبيرة من خلال تاريخ طويل من الانحراف.

وعندما كانت أوروبا تغطُّ في ظلمات الجهل والتخلف، كان المسلمون هم قادة العالم بالعلم في ميادينه المختلفة، وقدّموا العلم ونشروه مع نشر رسالتهم ودينهم حيثما امتدوا.

برزت عبقريات المسلمين في شتى أنواع العلوم كالرياضيات والطبيعيات والطب والفلك والجغرافية، والاكتشافات الجغرافية، وفنِّ العمارة، وغيرها من العلوم.

كانت العبقريات قد انطلقت من الإسلام من الإيمان، من جميع الشعوب الإسلامية، لتخدم البشرية كلها نوراً وهداية، وعلماً وعدالة، وحرية ومساواة.

مهما وقعت انحرافات أو أخطاء في مسيرة المسلمين، فإنها لم تصل أبداً إلى ما بلغه الغرب من إفناء وتدمير ووحشية، لقد كان الإسلام يكبح نزعات الفتك الإجرامي، ولقد وجدت الشعوب التي دخلها الإسلام عدالة لم تعهدها في تاريخها، وحرية كريمة منضبطة تسود الجميع، وديناً يجمع البشرية كلها في ظلال الإسلام وأنداء الإيمان، ويضع الحقوق الصادقة لكل فئة أو طائفة، لينسجم الجميع تحت حكم الإسلام وشريعة الله الحقة.

لقد جمع الإسلام شعوباً مختلفة الأجناس واللغات لأول مرة في التاريخ البشري، عندما أعاد الإنسان إلى الفطرة التي فطره الله عليها، إلى حقيقة الفطرة السليمة غير المشوهة أو المنحرفة.

فانطلقت قوى الشعوب كلها منسجمة متآلفة، وجمع الإسلام بذلك طاقات الشعوب ومواهبها بعد أن آمنت وأسلمت لله رب العالمين، وبعد أن ذابت العصبيات الجاهلية من حزبية أو عائلية أو قومية، وبعد أن وجد كل شعب أنه آمن، ينال حقوقه كما تناله الشعوب الأخرى، على ميزان رباني عادل أمين.

فانطلقت بذلك الحضارة الإسلامية تصب فيها مواهب الشعوب كلها وقدراتها، وخيرات بلادها في مجرى واحد صافٍ، تقودها عقلية إسلامية صاغها القرآن الكريم وسنَّة رسول ا صلى الله عليه وسلم ، عقلية تنطلق من الفطرة السليمة التي أعاد الإسلام الناس إليها.

هذه الحضارة الإسلامية، ليست حضارة شعب واحد ولا حضارة بيئة واحدة، إنها حضارة الشعوب كلها، الشعوب التي تآلفت على الإسلام فطرةً وإيماناً وتوحيداً، وعلماً بمنهاج الله، وصراطاً مستقيماً واحداً، يجمع الناس كلهم على استقامته التي لا يضلُّ عنها مؤمن، وعلى تفرُّده بأنه سبيل واحدة لا سبل شتَّى، فلن يختلف عليه المؤمنون.

هذه الحضارة وهذه العقلية تميزت أيضاً بأنها جمعت المؤمنين كلَّهم على مدار التاريخ البشري أمة واحدة، على أسس واحدة وحق واحد.

فسورة الأنبياء، بعد أن تستعرض مسيرة عدد من الأنبياء والرسل عليهم السلام، وتبيِّن أنَّهم كلهم كانوا يدعون إلى دين واحد هو الإسلام، ولعبادة رب واحد هو الله الذي لا اله إلا هو، تختم السورة الكريمة هذا العرض بالآية الكريمة:

(إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) ]الأنبياء: 92[

ويتكرر هذا المشهد العظيم في سورة"المؤمنون"، حيث تستعرض السورة مسيرة الرسل والأنبياء الذين دعوا إلى دين واحد هو الإسلام، وإِلى عبادة رب واحد هو الله، تختم هذا العرض والمشهد بقوله سبحانه وتعالى:

(يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ * وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ) ] [المؤمنون: 51-52[

هذه هي معركة التاريخ البشري تدور بين عقليتين ونهجين: عقلية تنطلق من الفطرة السليمة، ونهج رباني من عند الله على سبيل واحدة وصراط مستقيم، تتلقاه الفطرة السليمة بالإيمان والاتباع، وعقلية تنطلق من عواطف الأهواء وصراع المصالح، ومناهج بشرية تتلون من أرض إلى أرض، ومن مصلحة مادية إلى مصلحة، فيصارع بعضها بعضاً، كلٌّ يغلف أهواءه ومصالحه بزخارف كاذبة وزينة خادعة، سرعان ما يكشف الواقع كذبها وخداعها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت